تتعدد المؤتمرات والمنتديات الدولية على الأرض العربية تحت لافتات عديدة أبرزها «الإصلاح ونشر الديمقراطية في الشرق»، آخرها كان المنتدى الثالث للإصلاح ونشر الديمقراطية الذي عقد على شاطئ البحر الميت مؤخراً، وعلت فيه الأصوات العربية داعية الدول الديمقراطية الكبرى إلى ضرورة إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، وخفتت فيه الدعوة الأوروبية إلى الإصلاح وتوارت فيه المطالبة الأميركية بالديمقراطية.
وهو المنتدى الذي تنظمه الدول الثماني الصناعية الكبرى بعد تبنيها المشروع الأميركي السيئ السمعة المسمى «الشرق الأوسط الكبير» في قمة الكبار في «سى آيلاند».. ولأننا كلنا نريد الإصلاح الحقيقي وكلنا نسعى إلى الديمقراطية الحقيقية فإنا نشعر أحياناً بالدهشة من ازدواج المعايير من هؤلاء الديمقراطيين الكبار، ومواقفهم اللاديمقراطية في مواجهة قضايا الشعوب خصوصاً في الوطن العربي الكبير.
والمشاهد عديدة على امتداد الخريطة العربية التي يقف فيها المشروع العربي التحرري في مواجهة المشروع الغربي الاستعماري، والمشروع القومي الوحدوي في مواجهة المشروع الدولي التقسيمي، ومشروع تغيير الأمر الواقع المحتل في مواجهة تثبيت الأمر الواقع المختل، ومشروع الاستقلال والمقاومة في مواجهة مشروع التبعية والمساومة، ومشروع الوحدة الوطنية بالديمقراطية في مواجهة مشروع الحرب الأهلية بالطائفية.
وحينما يتناقض مشروعان لا يلتقيان بالطبيعة والضرورة معاً لأن التناقض بينهما رئيسي وليس ثانوياً، الأول إقليمي والثاني خارجي، مشروع نهضوي وحدوي تحريري في الشرق (العربي الإسلامي) في مواجهة مشروع فوضوي تدميري استعماري في الشرق الأوسط (الصهيوني الأميركي)، سواء «الجديد» صهيونياً على حد وصف العجوز شيمون بيريز، أو الكبير أميركياً على حد وصف الرئيس جورج بوش الابن.
فلابد أن نسلم أن لكل مشروع منهما أدواته وآلياته ومؤيديه أو تابعيه من القوى الشعبية أو النخبوية بصورة نسبية في داخل كل دولة من دول الإقليم، والواضح بما لا يقبل الجدل أن المشروع التعريبي التحريري هو التيار الشعبي الغلاب، بينما يبدو المشروع التغريبي التغريري هو المناوئ النخبوي المعزول، لكننا يجب علينا الاعتراف بأن تصادم المشروعين مع انسداد قنوات الحوار يعرض المجتمعات لخطر الانقسام والمواجهة.
المشكلة قد تبدو صعبة أو مستعصية على الحل في ظل قوى موجودة على الأرض لها امتدادات شعبية مهما كانت تمثل أقلية أو أكثرية ضعيفة أو قوية في التيار الشعبي تتناقض رؤاها، لأن الأخطر يأتي من أن الأقلية الضعيفة لا تجد لنفسها من سبيل إلا بالاستقواء بالخارج الأجنبي على حساب المصالح الوطنية وربما الإقليمية أيضاً، والأخطر منه أن يكون هذا الخارج له أجندته التي تناقض مصالح الأقلية والأكثرية معاً، ومصالح الوطن والإقليم معاً.
وبينما تجد الغالبية الشعبية الناطقة والصامتة وأحزابها المعبرة عنها مصالحها الوطنية الواسعة في المشروع التعريبي التحريري التوحيدي وبالتالي تجد عمقها الاستراتيجي وامتدادها الطبيعي مع القوى الشعبية الإقليمية العربية والإسلامية وربما يكون لبعض حكامها توجه آخر.
تجد بعض شرائح النخبة التغريبية وأحزابها المعبرة عنها مصالحها الطائفية الضيقة في المشروع التغريبي الاستعماري التقسيمي، وبالتالي تجد عمقها الاستراتيجي ومصدر قوتها مع القوى الحاكمة الأجنبية الأميركية والأوروبية فيما يكون لقطاعات واسعة من شعوبها رأى آخر.
لكن الأوطان الحية لابد لها خصوصاً في أوقات الأزمات الكبرى الخارجية ضد الاحتلال أو العدوان، أو الداخلية الكبرى مثل الصراع على السلطة بين مكونات المجتمع، أن تتمكن من إيجاد الحلول القادرة على مواجهة الأزمات سواء في مواجهة الغير أو في مواجهة النفس.
فمن الطبيعي في مواجهة الغير باعتباره «تناقضاً رئيسياً» لا يمكن حله سلمياً أن تتوارى الخلافات وتتلاشى الفوارق الدينية والطائفية والمذهبية حيث يتوحد المواطنون جميعاً لمواجهة العدو، وتتطلب مواجهة حالات الحروب المبادرة إلى تشكيل «حكومة وحدة وطنية» تضم القوى السياسية المختلفة ببرنامج واحد هو الدفاع عن الوطن تنتهي بانتهاء الفترة الاستثنائية بالدعوة إلى انتخابات جديدة لاختيار حكومة جديدة.
ومن الطبيعي أيضاً في الأزمات الكبرى الداخلية ومواجهة النفس باعتباره «تناقضاً ثانوياً» يمكن حله سلمياً بالحوار الوطني أن يرجع الجميع إلى المرجعيات الوطنية والآليات الضرورية التي يمكن بها تطويق الأزمات، وهى في الدول عادة تتمثل في «الدستور» كمرجعية أقرها الشعب، حيث الجميع مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات أمام القانون، على أن يكون الدستور شاملاً وأن يكون القانون عادلاً.
كما تتمثل في الوسيلة الديمقراطية كآلية تتيح للجميع وفق قانون انتخابي عادل وملائم ومتوازن يشمل الجميع ويتفق عليه الجميع تنظيم الخلافات الطبيعية بين القوى السياسية حول المشاركة في السلطة وفى صنع القرار الوطني دون إقصاء أو تهميش، على أن تكون عملية الانتخاب نزيهة وشفافة تحت إشراف ورقابة «السلطة القضائية» بما يتيح للشعب اختيار حكامه ونوابه بحرية دون ترهيب بالقوة أو ترغيب بالمال.
ويتبع ذلك، كما هو معروف أن يتكون البرلمان «السلطة التشريعية» بنسب مختلفة طبقاً لنتائج الانتخابات ممن يمثلون الكتل البرلمانية للقوى السياسية، وتتشكل الحكومة بمرسوم من رئيس الدولة بتكليف رئيس الكتلة التي حازت الأغلبية الحاسمة باختيار الوزراء وعادة ما يكونون من نفس الكتلة الفائزة، إلا إذا كانت الأغلبية التي حصل عليها الحزب الفائز غير حاسمة فيلجأ إلى الكتل الأخرى المتوافقة مع برنامجه الانتخابي لتشكيل «حكومة ائتلافية».
لكن المشكلات تنتج في العادة من عدم التزام قوة من القوى السياسية بالدستور كمرجعية أو القبول بالديمقراطية كآلية أو الاحترام للقانون المترجم والمنظم لمبادئ الدستور، وقد تتفاقم الأزمات الوطنية بالعوامل الداخلية حينما تلجأ الحكومات إلى تزوير الانتخابات لاغتصاب السلطة، أو بالتدخلات الخارجية حينما لا تعترف بنتائج الانتخابات ولا تحترم الخيارات الديمقراطية الحرة للناخبين، وتعاقب الشعوب بالتهديد والحصار على ممارستها للديمقراطية.
أو بتطبيق الدول الأجنبية التي ترفع شعارات الديمقراطية التي تناصر فريقاً من الفرقاء في الصراع على السلطة معايير مزدوجة أحياناً ومتناقضة أحياناً في التعامل مع الحالات المتشابهة، والمعيار الوحيد الذي يحدد موقفها هو فقط ما يخدم مصالحها الاقتصادية وينفذ أجندتها السياسية.. وفى منطقتنا العربية مشاهد وأمثلة سياسية باعثة على الاستغراب والمفارقات.
فعندما فازت حركة «حماس» الإِسلامية في فلسطين بثقة الشعب الفلسطيني في انتخابات ديمقراطية بإشراف دولي بأغلبية حاسمة اعترف بها العالم، انقلبت الدول الديمقراطية على نتائج الديمقراطية في تناقض فاضح وفرضت الحصار على هذه الحكومة المنتخبة، وحينما بادرت حماس عقب الفوز بدعوة الفصائل الأخرى وفى مقدمتهم حركة «فتح» لمشاركتها في الحكم بتشكيل حكومة وحدة وطنية، لم يستجب لدعوتها أحد.
ولما أدركت «الدول الديمقراطية» أن حماس لم تفشل ولم تسقط وبدأت تحكم على أساس برنامجها السياسي المقاوم الذي لا يعترف بإسرائيل الذي انتخبها الشعب على أساسه، اشترطت الدول الديمقراطية لرفع الحصار عن الشعب الفلسطيني عدة شروط من بينها وقف المقاومة والاعتراف بإسرائيل والأغرب من ذلك أن أول هذه الشروط كان تشكيل حكومة وحدة وطنية !!
بينما تتضح المعايير المزدوجة لهذه الدول الديمقراطية بصورة أغرب في لبنان حين تنقلب على الديمقراطية مرة أخرى بصورة عكسية حينما تدعم موقف الحكومة الرافضة لتشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس القواعد الديمقراطية التي أفرزتها نتائج الانتخابات، حيث هناك قوى لها تمثيل كبير في البرلمان وليس لها تمثيل في الحكومة، ومعارضة فازت بـ 45% من مقاعد البرلمان لا تحظى إلا بتمثيل 25% فقط من تشكيل الحكومة الحالية.
هنا في «غزة» تشترط تشكيل حكومة وحدة وطنية وتدعم رئيس السلطة وتعادي رئيس الحكومة، وهناك في بيروت ترفض تشكيل حكومة وحدة وطنية وتدعم رئيس الحكومة وتعادي رئيس الجمهورية.. يا لها من ديمقراطية أميركية وأوروبية دمروا العراق بزعم فرضها بديلاً عن الدكتاتورية العربية.. وهناك في «منتدى المستقبل» يا لها من ديمقراطية تسعى الدول الثماني الديمقراطية الكبرى لإحيائها في البحر الميت لفرضها بالنموذج العراقي على الشرق الأوسط الكبير!!!
ثلاثة مشاهد هزلية تقع في وقت واحد على مسرح واحد في ثلاث دول عربية متقاربة للغاية، لكن المواقف الأميركية الانقلابية على المبادئ الديمقراطية متباعدة للغاية، وكله حسب المصالح.. وتحيا الديمقراطية الأميركية الشرق أوسطية !!
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com