يبدو أن أحداث العراق الدموية المتصاعدة أسفرت عن وصول العراق إلى شفا الفتنة التي لعن الله من أيقظها. وأوصلت الفرقاء السياسيين إلى مفترق الطرق فولى كل وجهه يبحث عن حل.

السياسيون العراقيون يبحثون عن مخرج من دائرة العنف التي ضاقت لتطالهم، والأميركان يسعون للخروج من الموت الذي يحصدهم بتواتر يومي ويهدد صورة القوة العظمى ربما إلى الأبد بل ويهدد علاقاتها مع اقرب حلفائها الذين بدأوا يشدون الرحال عن مغامرة العراق المأساوية.

ودول الجوار ودول السوار العربية التي تبحث عن حل يقيها النار القادمة من العراق والتي ان انفلتت من عقالها فإنها ستكون كالقنبلة الذرية التي ستحرق آنيا كل شيء ولا فرار عن سمومها على المدى البعيد.

انطلاقا مما سبق شهدت ضفتا وادي الرافدين حركة دبلوماسية نشطة ومتشابكة ليس فقط في قضاياها بل كذلك في أهدافها ونواياها.

وقبل كل شيء لابد ان نثبت الحقائق؛ فإيران لاعب إقليمي لأحد لطموحاته ولا حد لنفوذه في المنطقة وإيران حركت بيادقها بطريقة ناجحة بحيث كل الاحتمالات ستكون لصالحها، لقاء الطالباني ونجاد هو مقدمة ذات صلة مع لقاء بوش ورئيس الوزراء نوري المالكي.

فالطالباني كونه صديق حميم للولايات المتحدة فانه في الواقع سيحاول إيصال رسالة فحواها ان القوات الأميركية ستبقى في العراق وبنفس الوقت فان النفوذ الإيراني يمكن ان يكون مقبولا شرط ان تتوقف نيران المليشيات عن التصويب باتجاه القوات الأميركية وان تعمل إيران على دعم صورة وسيطرة الحكومة العراقية على الانفلات الأمني الحاصل.

موقف إيران من هذه الاستراتيجية التي جاء الطالباني يحملها في جعبته المرسلة من الخارجية الأميركية، ويبدو انها ستعطي الضوء الأخضر على بدء المباحثات مع إيران وسوريا خاصة وان مهمة الطالباني تبدو ناجحة حيث صرح للصحافيين في ختام زيارته: «هذه الزيارة ناجحة مئة بالمئة، وستظهر نتيجتها قريبا».

وعموما فان الولايات المتحدة تحاول إجراء مباحثات بالنيابة مع الحكومة الإيرانية بدليل ان الخارجية الأميركية أعلنت ترحيبها المشوب بالحذر تجاه دعوة إيران لإجراء محادثات حول مستقبل العراق. حيث ان نجاح مثل تلك المباحثات عبر وسطاء يفضل ان يكونوا عراقيين كي يتحملوا الرفض أو القبول ،قد يحقق للولايات المتحدة الخروج من المأزق العراقي بأقل الخسائر الممكنة. أما من ناحية إيران فان رسالتها واضحة النفوذ في العراق والملف النووي الإيراني الذي يبدو انه لا كنتم ولا كنا ولا قلتم ولا قلنا.

الرغبة الخجولة للولايات المتحدة في إعطاء دور أوسع لسوريا وإيران في الشأن العراقي يقابلها معارضة من قبل مصر والسعودية والأردن

حيث ان هذا الدور ليس له تأثير على مستقبل هذه القوى فحسب بل ان الواقع بان غباء وتخبط الإدارة الأميركية ورغبتها في الحلول السريعة وغير المبرمجة للازمات التي لا تنفك في العراق سوف يودي إلى زيادة النفوذ الإيراني بصورة قد تؤدي إلى تسجيل اكبر الأخطار التي من الممكن ان تهدد الدول العربية التي لا تزال تحتمي بالمظلة الأميركية الممزقة.

في الوقت الذي تصنع إيران لنفسها قوة عسكرية واقتصادية وصناعية قد تبتلع المنطقة إن لم يكن باليد المباشرة فبالأفكار والأعمال غير المباشرة. من ذلك كانت مبادرة الأردن لاستضافة مباحثات أميركية عراقية.

المالكي وبوش يتشابهان في ان كليهما بطة عرجاء فبوش يترنح تحت وطأة الديمقراطيين الذين يضغطون باتجاه إيجاد حلول سريعة للمأزق في العراق الذي يحملون بوش وحده أوزاره فهم كأنهم كانوا في كوكب آخر عندما أرسلت الولايات المتحدة قواتها الجرارة لتدمر العراق. اما المالكي فموقفه في حكومته لا يقل سوءاً.

فالكتلة الصدرية التي هي واحدة من أهم الكتل في البرلمان والتي لها قاعدة شعبية واسعة في الشارع العراقي قد علقت عضويتها عشية المباحثات التي جمعت المالكي مع بوش. والائتلاف العراقي الذي يضم القوى الشيعية يضيقون الخناق على جبهة التوافق العراقية التي تمثل السنة،التي بدورها تدور في دوائر مغلقة.

اما الكتل السياسية الأخرى فإنها تزايد على المواقف هنا وهناك. وفي الواقع فان الانقسامات تهدد الكتل الكبرى فلا الائتلاف مؤتلفون ولا التوافق متوافقون مع أنفسهم أو مع الحكومة. وتبدو حكومة المالكي قد فشلت في نيل ثقة كتلة الأغلبية أو في نيل دعم الأقلية.

ومع أن بوش والمالكي في أمس الحاجة لحل سريع إلا انه يبدو ان حوار الاثنين يبدو حوار الطرشان وهو ما عكسه المؤتمر الصحافي الذي جمعهما. ففي الوقت الذي أكد الرئيس الأميركي جورج بوش ان الجيش الأميركي «سيبقى في العراق حتى إتمام المهمة». شدد المالكي على أن «العراق للعراقيين وأن أي شخص يعمل على أرضه هو مشتبه ولن يجد مكانا».

وبالطبع فانه لم يكن يقصد القوات الأميركية بل المقصود العرب خاصة وان المالكي سبق وان تخلف عن حضور اللقاء المزمع عقده مع العاهل الأردني لأسباب لم يتم الإفصاح عنها والتي في واقعها تعكس الرغبة في إيصال رسالة ان الدور الحاسم سيكون لإيران وان اي دور عربي سيكون محدوداً. على الرغم من ان المالكي نفى ان يكون لإيران اي نفوذ في العراق وفي العاصمة بغداد على وجه الخصوص...!!!

وما بين الشرق والغرب ضاعت اتجاهات الشارع العراقي وما بين الأسود والأبيض تشوه اللون العراقي الأصيل ليسود لون الدم الذي اختلط بلون السماء الغاضبة على كل من ينتهك كلمة الله عز وجل ويقتل ويسفك الدماء على أساس المذهب ونحن جميعا مسلمون عراقيون منذ آلاف السنين.

في الشرق أو في الغرب كل يبحث عن إنقاذ لنفسه ولا يوجد من يبحث عن من ينقذ العراقيين. الكل يتحدث عن الوسائل التي تجنب العراق الحرب الأهلية لأنهم ليسوا في الشارع العراقي ليعرفوا ان العراق يشتعل بأسوأ أنواع الحروب الأهلية التي لم تشهدها المنطقة في كل تاريخها.

العراقيون لا يتقاتلون بأياديهم فنحن بناة حضارة علمت الإنسان السلم والقانون والعدل، العراقيون يقتلهم أغراب ملثمون أو ملتحون أو مشوهون يندسون في جنح الظلام ليقتلوا الاخ وابن العم والجار والصديق.

ومع شديد الأسف فان أفعال السياسيين وأقوالهم تبدو محدودة المدى وأبطأ من سرعة الموت الذي أضحى مهنة يزاولها كل من ليس عراقيا حقيقيا في العراق وكل من ولد سفاحا من رحم المحتل الأهوج والجار الطامح الجامح والشقيق الساكت عن الحق

كاتبة عراقية