حينما تتجول في مطار سنغافورة تحسب أن هذا المطار الضخم لبلد مترامي الأطراف، وحينما ترى هذا المطار وقد غطيت أرضياته على سعتها بالسجاد وإمارات الفخامة تطل عليك من جميع أركانه، تظن أن هذا المطار لدولة بالغة الثراء، تفيض الخيرات من أراضيها وربما من سواحلها فلا تبخل بإضفاء كل مظاهر الأبهة على مطارها.
بيد أنك ستصاب بالدهشة إن علمت بأن هذا المطار المترامي الأطراف، الذي تعجز حتى أقدام الرياضيين من إتمام التجوال فيه، إنما هو لجمهورية تقل مساحتها عن السبعمائة كيلومتر مربع، أي باللغة الإيضاحية أقل من عشر مساحة الكويت، وقد تفوقها مدن عربية كالرياض أو بغداد أو القاهرة مسافة!!
وربما ازداد عجبك حين تعلم أن هذا المطار الفخم هو لدولة لا تمتلك من الموارد شيئاً سوى رأسمالها البشري وموقعها الجغرافي كدولة صغيرة تطل على بحر الصين الجنوبي وتقع بين ماليزيا واندونيسيا!! أما الرأسمال البشري فتمتلكه كثير من الدول دون أن يكون لها ثراء سنغافورة، في حين تطل دول كثيرة على البحر بمواقع إستراتيجية،
ربما بأفضل من ذلك الذي تمتلكه سنغافورة دون أن تحلم بأن تكون على قدم المساواة مع مينائها العظيم!! والغريب أن شواطئ سنغافورة لا تضاهي شواطئ اليمن أو أريتريا طولاً إذ هي تمتد فقط 193 كيلو متراً إلا إن سنغافورة تمتلك أكبر موانئ العالم وأكثرها في نقل البضائع استيراداً وتصديراً!!
والأكيد أن علة تطور سنغافورة وتبوئها هذا المركز العالمي إنما ينحصر في حكمة قيادتها السياسية وفي بنائها الاجتماعي. فهذه المنطقة اتخذها البريطانيون كميناء في العام 1819 ، أي في وقت متقارب من اتخاذهم عدن ميناءً أيضا. وقد دخلت سنغافورة الاتحاد الماليزي في العام 1963 لتنفصل عنه سريعاً ( 1965 ) ولتخط لنفسها طريقاً مستقلاً مبنياً على الانفتاح الاقتصادي والاعتماد على تجارة إعادة التصدير، مستفيدة من أجواء الحرب الباردة ومن القيود التي كانت تفرضها الدول المحيطة بها على النشاط التجاري.
أما عن أهلها ويبلغ عددهم أربعة ملايين ونصف تقريباً، فإنهم خليط من الأعراق والأقوام والديانات المتعايشة. فأكثر من ثلاثة أرباعهم ينحدرون من الأصول الصينية، وحوالي 14% منهم ينتمون إلى الأصول الملاوية، وحوالي 8% تقريباً من الهنود، والبقية من أعراق وقوميات أخرى.
وينتمي هؤلاء إلى ديانات ومذاهب مختلفة: يمثل البوذيون أكثر قليلاً من 42%، في حين تصل نسبة المسلمين إلى 15%، أما التاويون والهندوس فتصل نسبتهم إلى 12% تقريباً، ويتساوى عدد المسيحيين بمختلف طوائفهم مع عدد المسلمين، هذا فضلاً عن انتماء البقية إلى ديانات أخرى.
وكما قلنا سابقاً، فإن سنغافورة لا تمتلك ذهباً وفضة، فأرضها محدودة، وهي ليس ببعيدة عن أذى الجيران، فأندونيسيا تقذف عليها بدخانها الناجم عن حرق الغابات فتلوث سماء هذه المدينة الصغيرة المحافظة على نظافتها. وهي لا تمتلك نفطاً (تنتج ثمانية آلاف برميل فقط وتستهلك مئة ضعف أو أكثر قليلاً يومياً)،
ومع ذلك فهي من الدول المهمة في صناعة أدوات حفر آبار النفط ومصافي تكريره، وهي أيضاً تعتبر في مصاف الدول الغنية في مستوى المعيشة، ويخلو سكانها من الذين يقعون تحت خط الفقر، إذ تحكي الأرقام أن متوسط دخل الفردي السنوي فيها يزيد على ثمانية وعشرين ألف دولار. ومعدل الحياة فيها يضاهي ذلك الموجود في الدول الغربية فهو يتجاوز الواحد والثمانين عاماً. وهي تكاد تخلو من الأمية.
ولسنغافورة مورد آخر وهو السياحة، فهي تجتذب السياح من جميع أنحاء العالم للتبضع، أو كنقطة انطلاق للمراكز السياحية القريبة في ماليزيا واندونيسيا وتايلاند.
وأشهد أنني لم أر أسواقاً بهذه الكثرة والتنوع في حياتي كما شاهدتها في هذه المدينة، لذلك تحرص البيوتات التجارية العريقة التي تمتلك بضائع راقية (ماركات) أن تتواجد في هذه السوق، وأن تبني محلات ومعارض ضخمة يعجز المرء عن وصف أناقتها. وهذه المعارض أو الأسواق التجارية على كثرتها تجدها شديدة الازدحام طوال العام لكنها تزداد ازدحاماً في المناسبات كعيد الميلاد أو رأس السنة وغيرها.
ويبدو أن أهل سنغافورة لا يطبخون في بيوتهم، فكثرة مطاعمها الذي لا يمكن تخيله إلا برؤية العين تنبئ بهذه النزعة لديهم، فكل الأماكن التجارية، على كثرتها تحوي أدوراً لمطاعم، بل قد تجد في المعرض أو المتجر الواحد ركناً استغل لإقامة مطعم، ناهيك عن الممرات والطرقات الفرعية والشوارع الرئيسية وغيرها.
وربما ملاحظة أخرى تلفت بال السائح أو القادم إلى سنغافورة وهي كثرة استخدام الرخام في معارضها (أرضيات وجدراناً) وفي أسواقها وحماماتها وفي فنادقها، بشكل ربما مبالغ فيه، حتى لتظن أن الرخام مجاني عندهم!! ولو افترضنا إنه مجاني (وهو ليس كذلك بالطبع) فإن تكلفة تركيبه الفني تفوق التصور، لا بل تنظيف هذا الرخام والمحافظة على لمعانه وبريقه هي في حد ذاتها عملية مكلفة وتحتاج إلى جهد إنساني منظم. ولذلك، فالنظافة في سنغافورة علامة لتألق المدينة ولمكانتها الريادية بين مدن العالم.
لقد نجحت سنغافورة بموارد تكاد تكون معدومة، وتجربتها التنموية جديرة بالتأمل، ولا نقول بالاستنساخ، ذلك أن التجارب التنموية يجب أن تأخذ عناصر الواقع بعين الاعتبار. وربما تكون الدول العربية أو المجاورة لنا التي ما زالت تشكو من انخفاض الدخل وتلكؤ عملية التنمية أحوج إلى دراسة ما قامت به سنغافورة ومثيلاتها لتكون لها تجارب حية تستطيع الأخذ منها والانطلاق إلى عالم رحب من التطور يضمن لمواطنيها حياة كريمة. وربما خطر على بالي ثلاث دول تمتلك إمكانيات لا تقارن بإمكانية سنغافورة المعدومة.
هذه الدول الثلاث هي اليمن واريتريا والصومال. فالدول الثلاث تمتلك شواطئ طويلة، ولها موانئ تاريخية عريقة يمكن تطويرها بالوسائل الحديثة: ميناء عدن، وميناء مصوع، ومقديشو المطلة على البحر. وفضلاً عن ذلك، تتمتع اليمن واريتريا بجبال ومرتفعات تجعل منها مناطق سياحية، فطقس صنعاء وأسمرة طقس جميل طوال السنة.
أما الثروات الطبيعية فتمتلكها الدول الثلاث بكثرة مما يسهل من عملية انطلاق التنمية ويقلل من تكاليفها. إذن، ما ينقص هذه الدول الثلاث إنما هي الإرادة السياسية وتنظيم المجتمع والاستفادة من طاقته. وقد توفر هذان الشرطان في سنغافورة فانطلقت.
كاتب كويتي
alyusefi@hotmail.com