لماذا تبقى شعوب أميركا اللاتينية من أفقر شعوب المعمورة على مدى أكثر من مئتي عام من الجوار الجغرافي اللصيق مع أغنى دولة في العالم سابقاً ولاحقاً رغم انتشار مئات الشركات في بلدان القارة الجنوبية؟

هذا هو التساؤل الذي يتردد على ألسنة المواطنين العاديين من المكسيك في أقصى شمال القارة إلى تشيلي في أقصى جنوبها وهم ينظرون إلى النموذج الكوبي من قبيل المقارنة، وهو تساؤل انبرت زعامات راديكالية مؤخراً لوضع إجابة تطبيقية عملية عنه نيابة عن شعوبها ومن خلال ثورات ديمقراطية سلمية.

تباعاً برز من خلال الاختبار الديمقراطي هوغو شافيز في فنزويلا ودانييل أورتيغا في نيكاراغو ورفائيل كوريا في إكوادور وإيفو موراليس في بوليفيا.

هذه الثورات الديمقراطية موجهة بالضرورة ضد النفوذ الأميركي الاقتصادي في القارة المصحوب بنفوذ عسكري قهري.. وقد تفجرت عن تراكمات من ممارسات «استثمارية» للشركات الأميركية دفعت بالاقتصادات الوطنية في بلدان أميركا اللاتينية إلى حالة من الإفلاس الشامل. وتجسدت الشرارة الأخيرة التي أدت إلى تفجير الغضب الشعبي الصارم الذي انعكس على صناديق الاقتراع في مشروع أميركي لإقامة «منطقة تجارة حرة» بين الولايات المتحدة وبلدان القارة الجنوبية.

وهو مشروع تدميري شرير تهدف واشنطن من ورائه إلى إغراق أسواق القارة بالسلع الأميركية المصنعة من أجل القضاء على الصناعات المحلية. هذا ما يفسر لنا لماذا كان على رأس الأجندة الانتخابية لكل من الزعامات الراديكالية المشار إليها رفض المشروع الأميركي.

واشنطن الآن قلقة. ومما يضاعف من قلقها انتقال «عدوى» الثورة الديمقراطية إلى بلدان القارة الأخرى. وهي قلقة أيضاً لأن التغيير في أميركا اللاتينية يتخذ سبيلاً ديمقراطياً.. وبالتالي يفضح زيف الدعوة الأميركية الرسمية إلى نشر الديمقراطية. وسوف تزاد هذه الدعوة المريبة انفضاحاً إذا سعت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى القضاء على هذه الظاهرة الديمقراطية عن طريق تدبير عمليات انقلابية.

لقد سبق بالفعل أن وقعت محاولة انقلابية ضد الرئيس الفنزويلي شافيز لكنها باءت بالفشل. ورغم أن الإدارة الأميركية نفت أن تكون لها علاقة بالمحاولة الانقلابية إلا أنها لم تشأ أن تدينها.

ان نموذج كوبا كاسترو هو الذي يلهم شعوب أميركا اللاتينية. فبالرغم من 48 عاماً من العداء الأميركي النشط تخللتها محاولات للإطاحة بالنظام فإن نظام كاسترو تمكن من بناء مجتمع كفاية وعدل يتيح لكل فئات الشعب الكوبي مستوى محترماً من العيش والتمتع بخدمات تعليم ورعاية صحية شاملة برسوم رمزية هي أقرب إلى المجانية

بينما تشيع في بلدان القارة الأخرى الخاضعة للسيطرة الأميركية ظواهر التسول والدعارة وتصاعد معدلات الجريمة وانتشار إدمان المخدرات. أما الخدمات التعليمية والصحية فلا يتمتع بها إلا المنتمون إلى شريحة ضئيلة من أثرياء منتفعين من الفتات الأميركي.

إن المغزى الإجمالي للثورة الديمقراطية المتصاعدة في أميركا اللاتينية هو أن صيغة «اقتصاد السوق الحرة» (الاسم الحديث للنظام الرأسمالي) كما تطبقها الولايات المتحدة في العالم الثالث ليس سوى أحدث شكل للاستعمار العصري.