رغم التسريبات الصحفية الكثيرة التي سبقت نشر تقرير بيكر - هاملتون، إلا أن الإعلان عنه رسميا فتح الباب على مصراعيه للتحليلات والتوقعات لما قد يحدث وما يجب أن يحدث لإيجاد حل للأزمة العراقية.

ولعل من أبرز ما ورد في التقرير تأكيده على صعوبة وتعقيد الوضع في الداخل العراقي، والموقف الأميركي الصعب الذي يتخبط في الساحة العراقية دون أن تستطيع الإدارة الأميركية رسم خط واضح لسياساتها المستقبلية في الشرق الأوسط، خاصة بعد أن فشلت محاولاتها في بناء "شرق أوسط جديد" بالصورة التي كانت تحلم بها.

أما الحلول التي يقترحها التقرير فكان أهم ما فيها دعوته بشكل صريح وواضح إلى ضرورة إشراك سوريا وإيران في عملية البحث عن حل للأزمة العراقية، لما يتمتع به هذان البلدان من نفوذ سياسي وعملي على الساحة العراقية.

وبما أن هذين البلدين لا تربطهما علاقات طيبة مع الولايات المتحدة منذ فترة طويلة، فإن السؤال يبرز عن طبيعة الثمن الذي قد تطلبه كل من هاتين الدولتين مقابل مساعدة أميركا في الخروج من المستنقع العراقي بشكل يحفظ ماء الوجه على أقل تقدير.

وهنا تبرز قضيتان أساسيتان تستطيع الولايات المتحدة لعب دور بارز فيهما سلباً أو إيجاباً: الملف النووي الإيراني والصراع الإسرائيلي - العربي. ولا شك أن كلاً من إيران وسوريا ستسعى إلى تحقيق مكاسب على هذين المسارين مقابل مساعدة الولايات المتحدة في العراق.

ويبدو أن الولايات المتحدة مستعدة إلى حد ما لإعطاء بعض التنازلات في هاتين القضيتين، ولكن مدى هذه التنازلات يبقى رهينة لقدرة الأطراف المتفاوضة على استخدام الأوراق التي تملكها بشكل ذكي وفعال.

وربما كان تلميح وزير الدفاع الأميركي الجديد إلى أن إيران سعت إلى امتلاك التقنية النووية بعد انتشار الأسلحة النووية في المنطقة مقدمة للقبول بإيران كدولة نووية في المستقبل القريب.

كما أن التحركات الحثيثة للدبلوماسية الأميركية لبث الروح في عملية السلام في الشرق الأوسط بشكل عام قد تكون مقدمة أيضاً لمفاوضات سورية - إسرائيلية تفضي إلى اتفاق سلام تستعيد سوريا بموجبه الجولان المحتل كثمن لمساعدة الولايات المتحدة في الملف العراقي أيضاً.

يبقى أن تفتح أميركا - كدولة محتلة - أبواب الحوار مع المقاومة الوطنية العراقية للبحث في سبل خروج القوات الأميركية من العراق دون أن يؤدي ذلك إلى حرب أهلية بين المقاومة والميليشيات المؤيدة للاحتلال.

وربما تأتي التحركات الأخيرة لبعض رموز المعارضة العراقية بكل أطيافها الشيعية والسنية والكردية كمحاولة لإعطاء غطاء سياسي لا طائفي للمقاومة العراقية يستطيع أن يتحدث باسمها مع قوات الاحتلال لفتح القناة الأهم في إطار إيجاد حل للأزمة العراقية الراهنة.

إن تقرير بيكر - هاميلتون ربما كان قاسيا في تقييمه للوضع العراقي، لكن الواقع على الأرض أكثر قساوة ويتطلب أقصى درجات الجدية والإخلاص للوصول إلى منع نشوب حرب أهلية شاملة قد تؤدي إلى تقسيم العراق بشكل فعلي إذا لم يقم المخلصون بالوقوف دون ذلك.