هل ستهز سيطرة الديمقراطيين الجديدة على مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين الأمور هزا إلى ذلك الحد الكبير الذي يتصوره الكثيرون في الخارج؟

من المؤكد أنه ستتاح لهم فرص كثيرة لتغيير المسار الأميركي الراهن في التصدي للمتشددين والحرب في العراق والسياسة الخارجية الأميركية الشاملة.

على امتداد ما يزيد على ثلاث سنوات تبنى الخصوم الحزبيون لإدارة بوش حجتين ضد معالجتها لـ «الحرب العالمية على الإرهاب». فقد ذهبوا أولا إلى القول إن عدم شن هجوم ثان على غرار الحادي عشر من سبتمبر لم يكن نتيجة لأي شيء قامت به الحكومة الأميركية داخل أميركا أو فيما وراء البحار ولنتذكر أنهم بعد أن بدأت الأوضاع في التردي في العراق بدأوا في القول إننا نتعرض لخطر أشد في داخل أميركا مقارنة بما كان الوضع عليه قبل خمس سنوات.

وزعم الديمقراطيون ثانيا أن معسكر الاعتقال في خليج غوانتانامو وقانون الوطنية وعمليات التنصت الهاتفية المستهدفة ربما أضرت بالحريات المدنية للأميركيين أكثر مما ألحقت الأذى بالإرهابيين، وهكذا فهناك أخيرا فرصة لتحقيق التعادل بين الطروحات النظرية السابقة والتحرك العملي، وذلك بوقف تدفق الأموال على هذه الجهود. وعندئذ يمكننا أخيرا أن نعرف ما إذا كان المنتقدون الديمقراطيون ممعنين بذلك القدر من انتقادهم لتحركات الرئيس بوش لمحاربة الإرهاب باعتبارها غير ضرورية أو تؤدي إلى نقيض المراد منها.

وبالمثل، فيما يتعلق بالحرب في العراق، التي قارنها الكثيرون من منتقدي بوش بفيتنام، سنرى سريعا ما إذا كان الديمقراطيون لديهم خطة بديلة عملية.

وفي الوقت الراهن هناك حقا ثلاثة مسارات فقط للتحرك المستقبلي في العراق قام فريقان مختلفان في الحزب الديمقراطي بطرح اثنين منهما في الشهور السابقة على انتخابات التجديد.

الخيار الأول، وهو الرد المنطقي على الانتقاد من جانب الديمقراطيين القائل إن الولايات المتحدة لها قوات أقل مما ينبغي في العراق، يتمثل في إضافة المزيد من الجنود الأميركيين إلى القوات الموجودة في العراق على نحو ما فعلت أميركا في فيتنام خلال الفترة الممتدة من 1964 إلى 1969.

الخيار الثاني والمناقض على نحو ما اقترحه هوارد دين رئيس الحزب الديمقراطي وعضو مجلس النواب جون مورثا هو إعادة الجنود الأميركيين من العراق إلى وطنهم أو على الأقل إعادة نشرهم في بلد آخر، سواء بصورة فورية أو وفقا لبرنامج زمني محدد، وبتلك الطريقة فإننا يمكننا أن نغسل أيدينا من الفوضى المطلقة المفترضة في العراق، على نحو ما فعل الديمقراطيون من قبل عندما خفضوا الاعتمادات المالية المخصصة لفيتنام في الفترة 1974- 1975.

البديل الثالث هو محاولة تحسين المسار غير الشعبي الراهن والمتضمن البقاء لتدريب قوات الأمن العراقية لكي تدافع عن استقلالها الذاتي والسيطرة على العراق في نهاية المطاف، وهو شيء يشبه ما حدث في فيتنام بين عامي 1971- 1973.

وعلى الرغم من حنق الديمقراطيين في الماضي، فإنهم قد يعمدون إلى تبني الخيار الثالث. ومن المؤكد أنهم سيعربون عن ضيقهم ويعيدون الاستدعاءات للإدلاء بالشهادات ويعرقلون تنفيذ عمليات إسناد الوظائف المختلفة التي يعتزم بوش المضي قدما بها وتنفيذ أقصى ما هددوا به من خروج من العراق، ولكن الآن وقد انتهت الانتخابات وكل ما أحاط بالحملات الانتخابية، فلن يكون من المدهش أن يبرهن ما يقوم به الديمقراطيون، على الأقل لبعض الوقت، على أنه مجرد زوبعة في فنجان.

ويساورني الشعور حقا في أنه ليس جميع الديمقراطيين يعتقدون بصحة خطاب الحملة الانتخابية للحزب القائل إن العراق قضية خاسرة وبصفة خاصة أن الجنرالات الذين يلقون الإعجاب على نطاق واسع مثل جون أبي زيد وجورج كيسي وديفيد بترايوس (الذين وقفوا بصورة جيدة عندما انهال عليهم أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين بالأسئلة في جلسات استماع وخلال رحلات قاموا بها إلى العراق) لا يزالون يشعرون بأن بمقدورهم تغيير التكتيكات لتأمين العراق.

إن الانسحاب من شأنه أن يعرض للخطر الأكراد والإصلاحيين العراقيين وصدق التعهدات الأميركية في الخارج وسمعة المؤسسة العسكرية الأميركية على امتداد أجيال قادمة. وسيكون من الصعب الاعتقاد بأن الديمقراطيين يرغبون في أن يقرأوا ذات يوم، مثلما نقرأ اليوم عن فيتنام،أننا كنا قريبين من تحقيق الاستقرار في العراق عندما قطع التمويل اللازم للقيام بذلك.

وبناء على انزعاج الديمقراطيين في الماضي من الواقعية التي يرتبط بها وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر، وهو الآن الرئيس المشارك لمجموعة دراسة العراق وكذلك الغضب مما يجري الآن في دارفور، فإنني سأخاطر بالقول إن بعض الديمقراطيين يشعرون بقليل من عدم الارتياح حيال التخلي كلية عن الجهد الذي يبذل لدعم حقوق الإنسان والديمقراطية في الخارج، فليس الناس كلهم يصدقون أن العراق أمر متعلق بالنفط أو بشركة هاليبرتون.

إن معظم الديمقراطيين، بالطبع، يعتقدون أن بوش مخطئ عادة، ولكنه ربما لم يكن مخطئا على الدوام بصورة كاملة، ففي نهاية المطاف خرجت سوريا من لبنان، وتخلت ليبيا عن أسلحة الدمار الشامل الخاصة بها، وتعرض العديد من القادة العرب للضغط من أجل الإصلاح، وهذا كله قد ينقلب رأسا على عقب إذا انسحبت الولايات المتحدة فجأة من العراق.

باختصار وعلى الرغم من المواقف المتخذة خلال الحملة الانتخابية، فإن الديمقراطيين المكلفين بضمان استمرار حيازة الأغلبية يسودهم، اعتبارا من الآن، بعض الهدوء.

فهل يمكن أن يكون قوام الأمر أنهم يرون أن الخيارات الوحيدة المتاحة لنا بعد الحادي عشر من سبتمبر كانت في الغالب سيئة أو بالغة السوء، وأنه بالنسبة لمن هم في السلطة ويأملون في الحيلولة دون وقوع هجوم آخر من النوعية نفسها داخل أميركا وعدم «فقدان العراق» فإنه ليست هناك حقا أي حلول سهلة.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»