لقد بدا العراق للإدارة الأميركية صبيحة الاحتلال مشروعا كبيرا قابلا لكل الاحتمالات التي تصب في قناة المصالح الأميركية، اذا ما أحسنت التصرف بكل الأوراق التي أضحت بين يديها، بعد نصر لم يتوقعه احد ان يكون خاطفا بتلك السرعة وزهيد الثمن إلى ذلك الحد، غير ان العبرة ليست فقط بعدد الأوراق التي في يد اللاعب بل بالكيفية التي يتم بها اللعب.

أصبح العراق بكل ما يمثله من عرب وأكراد وتركمان وشيعة وسنة وبترول وموقع جيو استراتيجي وارث موغل في عمق التاريخ، أصبح كل ذلك اول مستعمرة أميركية في القرن الواحد والعشرين، لكن - كما اتضح في ما بعد - لم يكن لدى الإدارة الأميركية خطط جاهزة ومفصلة عن كيفية توظيف كل ورقة من هذه الأوراق، ماعدا النفط الذي تدفقت فيالق الغزو وقبل حتى ان تحتل بغداد، للاستيلاء على منابعه والسيطرة على مناطق ضخه وتصديره باعتباره احد أهداف الغزو الأساسية وليس مجرد ورقة يمكن استخدامها أو الاستغناء عنها.

كان نجاح العمليات العسكرية في اقصر وقت ممكن إلى جانب المناورات الدبلوماسية لتسويق الغزو وشرعنته في نظر الرأي العام الأميركي والعالم، هو الموضوع الأهم الذي استحوذ على تفكير وتدبير الإدارة الأميركية، حيث انصب اهتمامها على جملة من الموضوعات مثل القدرات العسكرية العراقية وحشد المعارضة العراقية والتوفيق بين فصائلها المختلفة وتوزيع الواجبات بين الأنظمة العربية في المنطقة حسب قدراتها وإمكانياتها في المساهمة في عمليات الغزو والاستيلاء، بينما ظلت الأوراق العرقية والطائفية بمثابة جزء من الغنيمة التي سيجرى التصرف بها والتعامل معها بيسر وسهولة على ضوء المصالح الأميركية بعيد الاستيلاء على الإقليم.

لعل هذه النظرة التبسيطية لتعقيدات الخارطة السياسية العراقية ترجع الى عدة أسباب منها

1 ـ المعلومات الخاطئة والنصائح التي درجت الكثير من أطياف المعارضة العراقية على تزويد الإدارة الأميركية بها طوال السنوات التي سبقت الغزو. فرغم ما تتمتع به مراكز المعلومات والاستخبارات الأميركية من قدرات على الرصد والتقييم، إلا أن معلومات وآراء أصحاب الأرض لا يمكن تجاهل تأثيراتها على التصورات التي يتم تكوينها عن الواقع ويبدو ان ذلك عين ما حدث بالفعل بالنسبة لكثير من التصورات الأميركية عن الواقع العراقي.

2 ـ اعتقاد الإدارة الأميركية بأنه بمجرد سقوط النظام العراقي سينتهي كل شيء باعتبار ان الرئيس العراقي كأي دكتاتور تحيط به بطانة من المرتزقة والوصوليين والفاسدين، الذين يختفون باختفائه، فليست لديهم قناعات يمكن ان يقاتلوا من اجلها، بل مصالح مادية يمكن ان يظفروا ببعضها ويهربون بها ويمكن ان يضع بعضهم نفسه في خدمة المنتصر مثلما كان يضع نفسه في خدمة الدكتاتور، وبالتالي فإنه بمجرد ان تدخل الدبابات الأميركية إلى بغداد وتلقي القبض على رأس النظام ومن حوله ويهرب العشرات ممن أسموا أنفسهم المتطوعين العرب عبر المنافذ الصحراوية كالجرذان، عندها تستتب الأمور وتستقر الأوضاع، فيكفي ان تخرج من حين لآخر مفرزة من جنود المارينز تتبعهم دبابة او اثنتان حتى يهرع العراقيون مذعورين ليقفلوا أبواب منازلهم خلفهم إلى ان يبتعد صوت صرير جنازير الدبابات وتتلاشى طرقات كعوب المارينز المتوشحين بأحدث الأسلحة الليزرية الشبيهة بتلك التي يرونها في أفلام فنتازيا الخيال الأميركية، التي لا يموت فيها البطل الأميركي المحصن من الموت مهما حاول أعداؤه الأشرار المتوحشون.

لقد كانت الإدارة الأميركية تعتقد ان المصاعب الحقيقية التي ينبغي التحوط لها، هي تلك التي تسبق الغزو وتواكبه اما بعد الاستيلاء فكل الأمور ستكون ميسرة وما عليها سوى ان تتناول ما تشاء من الأوراق العرقية او الطائفية لتتلاعب بها كما يحلو لها دون ان تخرج عن سيطرتها او تتصادم مع الاستراتيجية الأميركية في المنطقة غير ان ما جرى بعد ذلك كشف عن خلط كل تلك التصورات، فالقبض على صدام حسين ومعاونيه لم يكن هو نهاية المطاف فلم يتم اجتثاث حزب البعث ولم يهرب المقاتلون العرب عبر المفازات ولم يبق العراقيون مرتعشين خلف أبواب منازلهم، أما اللعبة العرقية والطائفية بدت اكثر خطورة على الاستراتيجية الأميركية فقد اتضح ان الأكراد يريدون أكثر مما تسمح به الاستراتيجية الأميركية المعتمدة قبل الغزو، فدولة كردية مستقلة لا تخدم المصالح الأميركية بقدر ما تضر بها وتضعها في صراع مباشر مع معظم الدول المجاورة التي سيكون ردها مزيدا من التدخل في الشأن العراقي، فتركيا لن تقف مكتوفة اليدين أمام خطوة بهذا الحجم من الخطورة على وحدتها الإقليمية والسياسية ، إلى جانب انها تستطيع ـ وهذا ما لوحت به- ان تتبنى مطالب عرقية تركمانية في الشمال، كذلك الأمر بالنسبة لإيران التي لا يقل خطر وجود هذه الدولة على وحدتها من ذلك الذي تستشعره تركيا. كما ان معظم حلفائها من العراقيين العرب يعارضون بشدة مثل هذه الخطوة التي يعتبرونها قاسمة لظهر العراق سياسيا واقتصاديا.

لقد وجدت الإدارة الأميركية الورقة العرقية محدودة الفائدة كثيرة الضرر بالنسبة لاستراتيجيتها الشرق أوسطية طالما ظلت قادرة على الإمساك بمفاتيح اللعبة العراقية، ولذلك فقد قامت بتحجيم دور هذه الورقة وكانت كل الظروف الداخلية والإقليمية تساعدها على ذلك، أما الورقة الطائفية التي حاولت ان توظفها أثناء عمليات الغزو فقد جرت الاستراتيجية الأميركية في المنطقة الى خيارات كلها مخيفة والبعض منها شمشونية.

كاتب ليبي ـ جامعة بنغازي