الفرنسيون مشغولون هذه الأيام بالتحضير للانتخابات الرئاسية التي ستجري بعد بضعة أشهر فقط. ومن المتوقع أن تؤدي إلى مغادرة جاك شيراك لقصر الإيليزيه نهائياً وحلول رئيس جديد محله. وهذا حدث ليس بالقليل لأن شيراك شغل الساحة السياسية الفرنسية لمدة أربعين سنة متواصلة! وإذا كان المعسكر الاشتراكي قد حسم موقفه واختار بشكل ديمقراطي مرشحته لرئاسة الجمهورية السيدة سيغولين رويال، فإن معسكر اليمين لا يزال يتخبط في الأمر.

وهذا التأخير ناتج عن العداء المستحكم بين شيراك ووزير داخليته نيقولا ساركوزي. فشيراك يتمنى من كل قلبه لو يبرز مرشح آخر غيره لأنه لا يطيقه شخصياً بكل بساطة.

ولكن مأساة شيراك هو أن ساركوزي هو الأكثر شعبية في أوساط اليمين وبالتالي الأوفر حظاً لربح المعركة في مايو القادم ضد المرشحة الاشتراكية. فما العمل؟ هذا ما يشغل بال شيراك هذه الأيام بالإضافة إلى أزمة لبنان المتفاقمة.

ضمن هذا الجو نزل جان دورميسون إلى ساحة المعركة لتحذير شيراك من مغبة عرقلة ترشيح ساركوزي أو تدبير اي انقلاب عليه. وكان ذلك من خلال مقالة طنانة رنانة نشرها في الصفحة الأولى من جريدة «الفيغارو». وقال له بما معناه: إياك ثم إياك أن ترتكب هذه الغلطة التاريخية التي ستؤدي حتماً إلى إفلات منصب الرئاسة الأولى من أيدينا وتقديمها كهدية سائغة للاشتراكيين.

فهل هذا ما تريده يا فخامة الرئيس؟ عندما يقول السيد دورميسون هذا الكلام فإنه يشير ضمناً إلى خيانة شيراك لمعسكره الخاص عام 1974 عندما تخلى عن المرشح الديغولي جاك شابان دلماس لصالح فاليري جيسكار ديستان. فهل يريد شيراك أن ينهي حياته السياسية بخيانة مثلما ابتدأها بخيانة؟

هذا هو ضمنياً ما يريد جان دورميسون قوله. وهذا ما يتخوف منه أشد التخوف. لكن من هو جان دورميسون حتى يتجرأ على مخاطبة شيراك من علٍ تقريباً وتحذيره كل هذا التحذير؟

إنه بطريرك المثقفين اليمينيين في فرنسا حالياً بعد أن تجاوز الثمانين وأصبح عضواً في الأكاديمية الفرنسية وواحداً من أشهر الكتاب في هذا العصر. يضاف إلى ذلك أنه ابن عائلة أرستقراطية عريقة، بل وتوجد مدينة صغيرة تحمل اسم عائلته في ضواحي باريس. وهو مفعم بحب الأدب الفرنسي قديمه والحديث.

وعندما يتحدث على التلفزيون عن التاريخ الفرنسي أو الأمجاد الفرنسية تكاد تتخيل وكأنك في حضرة فولتير أو فيكتور هيغو! وحديثه عذب لا يمل، وكذلك أسلوبه في الكتابة. وهو لا يتدخل إلا نادراً في الأمور السياسية، وإذا ما تدخل فهذا يعني أن الأمور قد أصبحت خطيرة فعلاً وتستدعي التدخل العاجل. ولهذا السبب نزل إلى ساحة المعمعة ودق ناقوس الخطر.

فهل يستجيب له شيراك؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة. نقول ذلك على الرغم من أن هامش الحركة الذي يتمتع به شيراك أصبح ضعيفاً بالقياس إلى (اللعين) ساركوزي.. فالابن قد يقتل أباه في مجال السياسة إذا ما استخدمنا مصطلح فرويد.

أما فيما يخص الاشتراكيين ومرشحتهم الحسناء الناعمة سيغولين رويال فقد شغلت وسائل الإعلام طيلة الأسبوع الماضي بسبب زيارتها إلى بيروت في ظروف أقل ما يقال فيها انها حرجة جداً. وقد استغل اليمين الفرنسي أول فرصة للانقضاض عليها بتهمة تقصيرها في الدفاع عن إسرائيل المقدسة أو المعصومة أمام نواب حزب الله عندما زارت البرلمان اللبناني فيما زارته هناك.

وهكذا شهدنا منظراً باريسياً غريب الشكل: فلأول مرة في التاريخ نجد اليمين الفرنسي الديغولي يزاود على اليسار الاشتراكي فيما يخص محبة إسرائيل والصهيونية! في الماضي كان العكس هو الصحيح. ولكن سبحان مغير الأحوال.

فما الذي حصل في بيروت لكي تنقض الطبقة السياسية الفرنسية برمتها على سيغولين رويال؟ ما هي الجريمة التي ارتكبتها هذه المرأة لكي تهاجم بهذا الشكل؟ هل انتقدت دولة إسرائيل أو سياستها. معاذ الله... كل ما فعلته هو أنها سكتت على شيء لم تسمعه!

وملخص القصة لمن لا يعرفها أنها عندما اجتمعت بلجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب اللبناني كان فيهم نائب عن حزب الله يدعى: علي عمار. ولكي يتقرب منها أو يسهّل عليها فهم القضية اللبنانية فإنه شبه الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان بالاحتلال النازي لفرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية.

ويقال بأنه لم يلفظ كلمة النازية صراحة وإنما أشار إليها ضمناً. ولكن ذلك كان كافياً لكي يفتح اليمين الفرنسي رشاشاته على سيغولين رويال التي قبلت بأن تجتمع مع نواب فيهم واحد عن حزب الله (الإرهابي) وتسكت على اغتياب دولة إسرائيل المجيدة...

وقد اضطرت المرشحة الاشتراكية إلى قطع نشاطاتها السياسية في بيروت والظهور أمام كاميرات التلفزيون فوراً وهي تردد مذعورةً: والله لم أسمع تلك الكلمة النابية بحق إسرائيل! والله لو سمعتها لخرجت فوراً من القاعة مع السفير الفرنسي الذي كان يرافقني،

وما كنت قد بقيت فيها لحظة واحدة.. وهكذا راحت المسكينة تحلف بأغلظ الأيمان بأنها لم تخطئ في حق إسرائيل وأنها تحب إسرائيل أكثر من أي شيء آخر في العالم وربما أكثر من فرنسا ذاتها!

والواقع أنها صادقة. فهي لم تسمع تلك الكلمة لأن النائب المذكور لم يقلها صراحة على ما يبدو ولأن المترجم قفز عليها. هذا كل ما في الأمر بكل بساطة. وبالتالي فكيف يمكن أن تكون مسؤولة عن شيء لم تسمعه أو لم يترجمه المترجم لكيلا يخدش حساسيتها ومشاعرها؟ ومع ذلك فقد فتحت عليها النيران من كل جانب هنا في باريس. وراح النواب والوزراء والزعماء الكبار ينتقدون غلطتها السياسية (الكبرى) وكذلك جبنها وتراجعها أمام أحد نواب حزب الله... وراحوا يستغلون ذلك لأغراض انتهازية داخلية كما هو معروف. فالمعركة سوف تكون حامية الوطيس بين اليمين واليسار من أجل رئاسة الجمهورية. والآتي أعظم.

لقد رويت هذه القصة بحذافيرها لتبيان مدى غسل الدماغ الذي حصل للفرنسيين، ومدى خطورة الامتثالية السياسية حتى في بلد ديمقراطي، حضاري، كفرنسا. فماذا يريد هؤلاء الناس؟ هل يعتقدون أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية واللبنانية شيء، وبقية الاحتلالات في العالم شيء آخر؟ هل يريدون أن يقنعونا بأن الاحتلال الإسرائيلي نزل برداً وسلاماً على الفلسطينيين واللبنانيين، وأن بقية الاحتلالات بما فيها الاحتلال الألماني لفرنسا هي وحدها الوحشية والهمجية؟

وماذا نقول إذن عن تكسير العظام، واصطياد الأطفال، أطفال الانتفاضة، كالعصافير؟ ماذا نقول عن استخدام أحدث أنواع التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية لتدمير البنية التحتية في لبنان وإعادته إلى الوراء عشرين أو ثلاثين سنة على الأقل؟ دماء أطفال قانا وأمهاتهم لم تجف كلياً بعد ايها السادة!

لحسن الحظ فإن بعض المثقفين الإسرائيليين واليهود يتخذون موقفاً آخر مناقضاً لموقف هؤلاء الزعماء السياسيين. فالمثقف الإسرائيلي المشهور دافيد غروسمان لم يتورع عن توجيهه أقسى الانتقادات لحكام إسرائيل متهماً إياهم بممارسة العنصرية تجاه الأقلية العربية داخل إسرائيل وارتكاب المجازر الوحشية ضد المدنيين الأبرياء في غزة.

والمثقف اليساري الفرنسي روني برومان هاجم السياسة الإسرائيلية بقوة في كتابه الأخير: (الفتنة: إسرائيل ـ فلسطين، اليهود، فرنسا). نقول ذلك على الرغم من أنه يهودي الأصل بل وفقد والديه أو بعض عائلته في المحرقة النازية على ما يبدو.

ولكن الرجل يعترف بالحقيقة الموضوعية في فلسطين ويدين سياسة الاحتلال وقضم الأراضي بالتدريج في الضفة الغربية على وجه الخصوص. بل ووصل الأمر به إلى حد القول بأنه لو عاد التاريخ إلى الوراء وخُيِّر بين إنشاء دولة إسرائيل أو عدم إنشائها لاختار الحل الثاني.

لماذا؟ لأن الأضرار الناتجة عنها وكذلك المآسي والحروب والفواجع أكبر بكثير من فوائدها بالنسبة لليهود أنفسهم فما بالك بضحاياهم؟ ولكن بما أنها أصبحت موجودة الآن فلا نستطيع أن نعيد عقارب الساعة إلى الوراء أو ندمرها بمن فيها! فهذا ليس حلاً إنسانياً ناهيك عن أنه مستحيل.

وبالتالي فلم يبق أمامنا من حل إلا أن نقيم دولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل لكي تتعايشا بسلام و تنحل القصة من أساسها ونطوي الصفحة نهائياً، فقد طالت أكثر مما يجب. وكلام هذا المثقف اليهودي المحترم دليل على استيقاظ الضمير لدى العديد من اليهود الذين يخشون الانعكاسات السلبية للسياسة الإسرائيلية المدمرة والمتهورة.

فكره مليار عربي ومسلم لهم أصبح يقلقهم فعلا. وجان دانييل يخشى ان يستمر العداء لليهود في العالم الإسلامي ألفي سنة مثلما حصل في أوروبا المسيحية على مدار القرون.

كاتب سوري ـ باريس