ما إن ينطلق أحد المصطلحات من ترسانة الإنتاج الغربية، التي لا تتوقف عن الإنتاج الفكري والمعرفي، حتى يتحول إلى مصطلح عالمي تتقاذفه المؤسسات الأكاديمية والبحثية والإعلامية المختلفة، ليصبح الوصفة السحرية لحل المسائل الكونية المختلفة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.
ويزداد تأثير هذه المصطلحات بسبب تبني المؤسسات والمنظمات الدولية المختلفة لها، مثل الأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، بما لهم من تأثير عالمي، وتبعية للقوى الغربية المهيمنة عالميا مثل الولايات المتحدة الأميركية، وبعض الدول الأوروبية مثل انجلترا وفرنسا وألمانيا.
فما إن تطرح هذه الدول عبر ترسانة مفكريها المحافظين، أو التابعين للمؤسسات الرسمية الحكومية، مصطلحات ورؤى جديدة حتى تصبح هي السياسات المتبناة والمطروحة من قبل هذه المؤسسات الدولية.
ويتم طرح هذه السياسات بوصفها السياسات الكونية الوحيدة الصالحة لكل دول العالم بغض النظر عن طبيعة الاختلافات فيما بينها، وبغض النظر عما تحققه من مصالح للدول الغربية ذاتها صاحبة هذه المصطلحات والرؤى الجديدة.
ولا تعكس هذه المصطلحات والرؤى الجديدة بالأساس سوى مصالح وأهداف القوى العظمى، الغربية بالأساس، إضافة للمؤسسات الدولية المرتبطة بهذه القوى والمنفذة لأهدافها.
واللافت للنظر هنا مدى الاحتفاء الذي يلاقيه هذا الكم من المصطلحات من قبل المؤسسات الأكاديمية والإعلامية في العالم النامي بالأساس. حيث يتم الترويج بشكل مستمر لهذه المصطلحات والعمل على إيجاد بعض التطبيقات الخاصة بها، بغض النظر عن مدى مناسبتها لواقع الحال في العالم النامي. كما أن البعض يستخدم هذه المصطلحات ويرددها بشكل متكرر بغض النظر عن مدى ملاءمتها للسياق والمجال الذي تُطلق فيه.
إضافة إلى ذلك، فإن السلطات الحاكمة في الدول النامية ما تلبث أن تستخدم هذه المصطلحات أيضاً من أجل العمل على إثبات ملاحقتها للتطورات العالمية وانصياعها لجديد المؤسسات الدولية بغض النظر عن مدى وعيها بهذه المصطلحات من ناحية، وتطبيقها لها من ناحية أخرى.
ومن المفاهيم الذائعة الصيت التي أطلقتها الماكينة الغربية المعاصرة مفهوم الشفافية الذي ملأ العالم، وأصبح على أجندة الندوات والمؤتمرات العالمية. كما أصبح لازمة أساسية في الكثير من الأوراق والأبحاث الأكاديمية، إضافة للعديد من المقالات الصحافية واللقاءات الإعلامية المختلفة.
لقد أصبح مفهوم الشفافية الآن على قائمة الأجندة الدولية إلى الحد الذي أنشئت من أجله منظمة الشفافية العالمية ومقرها برلين عام 1995.
وهي المنظمة التي جعلت على رأس أهدافها محاربة الفساد الإداري الرسمي وغير الرسمي في كافة أنحاء العالم، رغم أنها تحصل على تمويلها من المؤسسات والشركات الدولية مثل الأمم المتحدة وشركة جنرال موتورز الأميركية. وهو الأمر الذي يكشف عن هدف إطلاق هذه المفاهيم والمصطلحات الجديدة التي تخدم رأس المال العالمي المتمثل بالأساس في هذه الشركات المتعددة الجنسيات ذات الارتباط القوي بالدول الغربية.
أصبح مفهوم الشفافية من المفاهيم الأكثر انتشاراً الآن في عالمنا العربي، حيث العديد من المؤتمرات والندوات واللقاءات. إضافة إلى ذلك أصبح المفهوم موضة على لسان الجميع سواء بوعي أو بغير، فما إن تتحدث مع أحد حتى يفاجئك بضرورة تحقيق الشفافية والعمل على تفعيلها، وعلى نشرها في كافة المؤسسات والإدارات المختلفة.
واللافت للنظر هنا أن الكثيرين يستخدمونها من أجل الوجاهة الفكرية، وتلميع الكرسي بإضافة بعض المفردات التي لا تغني ولا تسمن من جوع. بل إن استخدام هذا المصطلح يتم في سياقات تافهة وصغيرة ومحدودة، مثل عقد اجتماع، أو الموافقة على ترقية ما. وهو ما يكشف عن مدى تفاهة التعامل مع بعض المصطلحات الوافدة، بدون فهمها وتمحيصها ومدى ملاءمتها للسياق الاجتماعي المحلي.
فعلى الرغم من النشأة الغربية لمصطلح الشفافية، وارتباط نشأته وظهوره بالمصالح الغربية بالأساس، إلا أنه يمكن الاستفادة من بعض أسسه وتوجهاته، خصوصاً عند استخدامه، ومحاولة تطبيقه في العالم العربي المفعم بالممارسات الفاسدة، وترهل المؤسسات الحكومية الرسمية.
لكن المهم هنا هو التعامل مع المفهوم بشكلٍ نقدي يتلاءم وواقع العالم العربي والظروف التاريخية التي يمر بها. ويعني ذلك ضرورة التعامل مع المفهوم وجوانبه المختلفة، ليس فقط في ضوء الملاءات والتصورات الغربية، ولكن أيضاً في ضوء الواقع العربي المعاصر والتحولات المرتبطة به.
فالشفافية ليست كلمة مطلقة يتم نقلها بطريقة إملائية من المؤسسات الدولية وفرضها على سياقات تختلف عن أوضاع الدول الغربية ذات التاريخ الطويل في المؤسسات المدنية والحقوق السياسية.
فواقع الأمر في العديد من الدول العربية يعكس مستويات غير مسبوقة من استشراء الفساد السياسي والاقتصادي، ليس فقط في المؤسسات الحكومية الرسمية، بل أيضاً في العديد من مؤسسات المجتمع المدني الحديثة النشأة والتي تزعم خدمة المجتمع.
كما أن الكثير من الدول العربية مازالت تفتقر إلى ذلك القدر من الاتصال والتواصل بين الأطراف المختلفة، وهو الأمر الذي يدعم الشفافية عبر الممارسات الديمقراطية القائمة على الكشف والمصداقية، وليست تلك الممارسات القمعية القائمة على الإخفاء والسرية وإقصاء الآخرين.
فالشفافية ليست كلمة تقال، لكنها تعبير عن ممارسات حقيقية، تتم عبر فترات زمنية طويلة ومستمرة ومتواصلة. كما أنها ليست مجرد كلمة يتم ترديدها على لسان الأفراد والمسؤولين، بقدر ما أنها تمثل تحالفا فعليا بين القوى الاجتماعية المختلفة المقاومة للفساد والراغبة في مواجهته والحد منه. فأولى متطلبات الشفافية أن توجد تلك القوى الجمعية القادرة على المواجهة وفضح الفساد في شتى صوره وأشكاله.
أما حينما تصبح المسألة مجرد ترديد لتلك الكلمة على صفحات الجرائد، وعبر شاشات التلفزيون، ومن خلال أروقة المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، بدون أن يرتبط ذلك الترديد بالسند الاجتماعي القادر على المواجهة والفضح والمساءلة، تصبح المسألة عبثية مظهرية أكثر منها أي شيء آخر.
إن هذه القوى الاجتماعية هي وحدها القادرة على خلق حالة مجتمعية عامة قادرة على مواجهة الفساد، وفضح أساليبه ومستوياته المختلفة. فمن خلال هذه الحالة المجتمعية، يمكن الحديث عن شفافية حقيقية تتعدى نطاق اللفظ والتفاخر به إلى مستوى المساءلة الاجتماعية الشاملة القادرة على إخراج العالم العربي من ورطته التنموية السياسية الحالية.
ومن خلال ذلك يمكن أن يتجاوز مصطلح الشفافية الإطار الغربي الذي أنتجه بحيث يكتسب مصائره وارتباطاته العربية الخاصة به، كما يمكنه أن يتجاوز ذلك التناول المبتذل من قبل البعض في عالمنا العربي المعاصر.
وحتى يتم ذلك، فنحن بحاجة ماسة إلى إعادة تشكيل القوى الاجتماعية الوطنية المهمومة بمواجهة الفساد، وتشكيل جبهة عريضة ومتسعة ليس لها من هم سوى مقاومة الفساد على مستوى كافة القطاعات والمؤسسات الرسمية منها وغير الرسمية.
كاتب مصري
salehabdelazim@hotmail.com