مع أن أهم ومعظم ما كشف عنه كان قد جرى تسريبه منذ أيام؛ إلا أن صدور تقرير لجنة بيكر أمس، استأثر بوسط دائرة الضوء. خاصة في واشنطن وعواصم المنطقة. ذلك أنه وضع الكرة علناً وبالإجماع في ملعب الرئيس بوش، فبيت القصيد الآن، هو ما إذا كان قادراً، بل راغباً، على التراجع عن نهجه وخطه؛ في الشرق الأوسط. أو ما إذا كان على استعداد لتعديله على الأقل.

هنا مكمن المشكلة. وهنا لبّ التقرير. الباقي تفاصيل وإجراءات ومعالجات. أو بالأحرى وصفات للمعالجة. وهي قد تنجح وقد تفشل؛ كما قال ل. هاملتون، في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع جيمس بيكر وباقي أعضاء اللجنة؛ لعرض أهم التوصيات المقترحة. فهذه الأخيرة، خلافاً للضجة الإعلامية التي سبقت الكشف عنها، ليست العصا السحرية. الأزمة تناسلت إلى أزمات، والمأزق تشعّب وغرز أنيابه عميقاً في أرض الرافدين. فقد تكون التوصيات، التي جاءت بها اللجنة، متأخرة؛ تجاوزتها الأحداث؛ كما ذكرت بعض ردود الفعل الأميركية. أو قد تكون الأطراف الإقليمية، المطلوب تعاونها غير قادرة على التحكم بالصراع الداخلي؛ بعد المدى الدموي العميق الذي وصله هذا الأخير؛ كما يقول أحد تحليلات مجلة «نيوزويك». فضلاً عن ذلك، الساحة السياسية الأميركية، مقسومة حول التقرير.

جوقة المحافظين الجدد رأت فيه لا أقل من «استسلام مقنّع»، كما قال بيل كريستول. خصومهم، في الخندق المقابل، لم يروا في ما طرحته اللجنة، (أي جديد مختلف عن السياسة المعتمدة حالياً)، وهذا ما أعلنه النائب جون مورثا. ويعكس ذلك مدى الجدل الساخن الدائر حول التقرير وتوصياته.

بقايا المحافظين الجدد، بعد الضربات التي تعرضوا لها مؤخراً، داخل الإدارة وفي الكونغرس، باتت المسألة بالنسبة إليهم قضية وجود أو انقراض لمدرستهم. لذلك من المتوقع أن تكون معركتهم قاسية وهجومهم كاسحاً، ضد أي تراجع عن هدف «النصر التام» الذي سبق وطرحه الرئيس بوش، وكانوا دائماً من دعاته والمدافعين عنه.

أزمة الرئيس أنه كان وما زال من المؤمنين بهذا النصر وبوجوب تحقيقه. كما لا يزال يتمسك بخطاب مثل هذا النصر. ولو أنه أدخل مفردات المرونة إلى قاموسه العراقي. لكن في الوقت ذاته هو يدرك مدى تعذر بلوغ مثل هذا الهدف. على الأقل في المدى المنظور وخلال المدة الرئاسية المتبقية له. لا عسكرياً هي متاحة. ولا سياسياً هو قادر على تحقيق شروطها ومستلزماتها. هو في واد مع الباقين من صقور المحافظين الجدد؛ والباقون في عموم الساحة الأميركية، في واد آخر. في قناعاته الأساسية، لم يتزحزح.

في حساباته السياسية يعطي إشارات متذبذبة. لم يصدر عنه أي ردّ مباشر، حتى أمام أعضاء اللجنة في اجتماعهم معه، على التوصيات. كل ما قاله بقي في العموميات. (إنها فرصة لنعمل سوياً) في هذا الملف. لكنه لم يفصح أي شيء عن الأساس الذي ينشده لمثل هذا العمل المشترك.

ضبابية متعمدة تنطوي على وجود ممانعة لديه، للانتقال الصريح والواضح إلى الخندق المقابل وبالتالي التراجع عن مقاربته ونهجه المعتمدين في التعامل مع ملفات الشرق الأوسط. الأمر الذي قد ينتهي بالتقرير إلى رفوف المكتبة؛ أو في أحسن الأحوال إلى تجويفه من جوهره.