إقدام الادارة الاميركية على تشكيل لجنة بيكر ـ هاملتون لتقييم الوضع الميداني في العراق ، وخروج اللجنة بتوصيات تحفظ ماء وجه الولايات المتحدة ، وتضع حدا للانفلات الأمني الخطير في العراق ، الذي وصل إلى حافة حرب أهلية قد تستقطب معها أطرافا أخرى غير عراقية هو عمل ايجابي في حد ذاته ، يضع حدا للسياسات العشوائية المتخبطة في العراق ، التي أدت إلى هذا الموقف الكارثي بعدد يفوق 650 ألف مدني عراقي لقوا حتفهم حتى الآن حسب ما تقول مصادر أميركية .

اضافة إلى تدمير كامل لكل البنية الاساسية وتلويث البيئة وتحويل بلاد الرافدين إلى مسرح يتصارع فيه ارهابيون من مختلف التوجهات والبلدان ، اضافة إلى ما لحق بالولايات المتحدة من خسائر تقدر ببليونات الدولارات ، وقتل حوالي ثلاثة آلاف عسكري أميركي مع عشرات الآلاف من الجرحى ، وفقدان الولايات المتحدة لمصداقيتها لدى شعوب المنطقة .

ومن السابق لاوانه التعرف على مدى التزام الادارة الاميركية الحالية بتنفيذ 79 توصية خرج بها تقرير لجنة بيكر ـ هاملتون حول الوضع في العراق ، لكنه من المفيد الاشارة إلى بعض هذه التوصيات الايجابية ، التي قد تشكل منعطفا هاما في السياسة الخارجية للولايات المتحدة بالشرق الاوسط حال تطبيقها ، لعل أهمها النظرة الشمولية التي تربط تردي الاوضاع في العراق بالصراع العربي الاسرائيلي ، في رؤية ليست جديدة بأي حال .

لكنها كانت مرفوضة أميركيا من قبل ، لهذا فان تقرير بيكر ـ هاملتون يوصي بضرورة حل النزاع الفلسطيني الاسرائيلي ، وتحريك جمود الموقف الاسرائيلي الرافض للدخول في مفاوضات مباشرة مع سوريا ولبنان للتوصل إلى اتفاقية سلام دائم عادل يحقق مصالح كل الاطراف ، مع اشراك أطراف أخرى مثل ايران ، بحثا عن حل مناسب للمأزق الاميركي في العراق ، ولحالة الانفلات الامني الخطير الذي وصل إلى حافة حرب أهلية هناك .

من ناحية أخرى ، أكدت اللجنة في توصياتها غير الملزمة على مبدأ هام من شأنه ـ ان طبق ـ إن يحسن صورة الولايات المتحدة عالميا ، ويرمم مصداقيتها المتداعية خاصة لدى شعوب الشرق الاوسط ، هو عدم استخدام القوة أداة وحيدة لتحقيق مصالح الولايات المتحدة بل لا بد من ممارسة أساليب دبلومساية إلى نهاية الشوط بحثا عن حلول لمشاكل مستعصية ، ويبقى استخدام القوة خيارا أخيرا إذا عجزت الخيارات الاخرى عن تحقيق أي هدف منشود .

وهذا هو المعنى الذي يعكسه مجمل هذه التوصيات ، التي تسعى إلى تحقيق مصالح الولايات المتحدة في المنطقة ، وربما في العالم بأسر ، بأساليب لا تضع أسراب الإف والاباتشي ضمن أولوياتها ولا مجال هنا لاستعراض مجمل توصيات اللجنة أو التعليق عليها ، لكن تشكيلها الذي يضم عشرة سياسيين أميركيين مخضرمين من الحزبين الجمهوري والديموقراطي ، يقدم قدرا من التفاؤل الحذر حول مستقبل تعاطي الولايات المتحدة مع قضايا منطقة الشرق الاوسط ز

ذلك الذي قد يجنح إلى الحوار بدلا من استخدام القوة ، وتفعيل العمل الدبلوماسي كخيار أساسي لحل أي مشكلة ، بدلا من السياسات والحسابات الخاطئة التي لا تحقق المصالح الاميركية ، ولا تسلم دول وشعوب المنطقة من آثارها الكارثية التي تحتاج زمنا طويلا للتعافي منها .

ان تحكيم العقل والمنطق ومراعاة مصالح وحقوق الآخرين عند وضع الخطوط العريضة للسياسة الخارجية الاميركية ، هو الذي يقود إلى تحقيق مصالح الولايات المتحدة ، ويراعى في ذات الوقت استحقاقات الاطراف الاخرى ، وربما يكون هذا مدخلا إلى عالم جديد يسوده الأمن والسلام بدلا من الحروب والصراعات بآثارها السلبية متعددة الجوانب .