مثل رياح (السموم) تسير اتجاهات السياسة الأميركية في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، فقد تورطت في العراق وأفغانستان، وقيل انها أزاحت أكبر كابوس على إيران بإنهاء حكم صدام حسين وإخراج طالبان كعدوين لدودين لطهران، لكن لا يبدو أن التبسيط في هذه الأمور عملية دقيقة ومحسومة لصالح أي طرف.

فطالبان بدأت تستعيد دورها في مواقع حساسة على الأرض الأفغانية، حتى أن نشاطها وضرباتها خلال الأشهر الماضية غيّرت الكثير من المفاهيم، وحتى اجتماع دول حلف الأطلسي في محاولة شل حركة تنامي قوة طالبان ربما لم تكن مفيدة، لأن تسارع الأحداث ربما تغير القناعات تماماً مثل التحولات التي بدأت أميركا تعيشها في العراق وتريد تغيير مسار مهماتها حين قالت بتحويل قواتها من قتالية إلى مساندة الجيش العراقي وتدريبه، والخروج من المواقع الخطرة، وهذا التطور ربما يمهد لانسحابات طويلة، يرافقها تفاهم مع الأعداء في الداخل العراقي والدول التي تراها ضالعة في تأزيم أوضاعه في انتشار ما يشبه الحرب الأهلية، وإتمام الهروب المقنن بأسلوب حفظ ماء الوجه.

لكن ماذا عن صور المستقبل البعيد، هل تترك قوات الأطلسي أفغانستان لقضاياها ليملأ الفراغ قوة طالبان بالعودة للحكم، والنفوذ الشامل، وفي ذلك خلق جبهة أفغانية مع إيران، وهو أحد السيناريوهات المحتملة، ومن ثمَّ إغراق طهران في وحل العراق باعتبار أن الانقسامات الداخلية داخل الجبهات الشعبية والسنية معرضة لتغييرات لا تخضع لمبدأ، أو أي ترتيبات أخرى إذا ما عاد أسلوب صدام بإحياء صراع العرب والفرس، ومن ثمَّ بروز العرق العربي ليكون أكثر بروزاً من الطائفية والمذهبية، ليقود المعارك رؤساء القبائل بدلاً من المشايخ وأئمة الحوزات، وهنا ربما تتبدل الخرائط بأفعال معكوسة؟

وإذا كانت أميركا جاءت بما تزعم أنه وعد إلهي، وبأيدلوجية رسمت شكلها إسرائيل وحاولت تطبيقها على الواقع الدولة العظمى، فإن الواقع غيّر معالم الصور ليؤكد أن هناك حدوداً غير ثابتة للاستراتيجيات، وحتى ما رأته أميركا فرصة لخدمة مصالحها، بالسعي لجعل العراق أهم مناطق نفوذها، واستغلال إمكاناته للقفز على حدود الدول العربية الأخرى بالتقسيم، أو الاحتواء وخاصة مواقع الطاقة، فإنها الآن لا تملك القدرة على تأكيد مركزها في المنطقة، بل إنها تريد الخلاص حتى بالمصالحة مع الأعداء، ومثل هذا الخلل بالتفكير يعود إلى الإدراك غير المنطقي بكل الظروف.

تصورات كثيرة ترشح المنطقة إلى أكثر من لاعب، فإيران توجه طاقاتها المادية والبشرية لامتلاك إمكانات نووية قد توصلها لسلاح رادع، وحسب التحليلات الغربية فإنها تريد اللعب على ساحات المنطقة كلها، لكن وضعها الداخلي الذي وصلت به لبعض المناطق إلى ما هو فوق خط الفقر بقليل، ربما يكون أحد أدوات استراتيجيات الغرب وأميركا باستغلال تلك الأوضاع والتي تتشابه كثيراً مع الاتحاد السوفياتي الذي وجه كل طاقاته للتسلح فحفر قبره بيده.

إن صدقت الاحتمالات والتوقعات، فإن مسار الأمن في المنطقة كلها يتجه إلى متغيرات صعبة ربما لا تصب في مصلحة أحد حتى من خلقوا تلك الأوضاع وهربوا منها.