«تقييم قاس»، هكذا علق الرئيس الأميركي جورج بوش على تقرير بيكر-هاملتون الخاص بالعراق، وهذه المرة كان تعليق الرئيس بوش في محله، لأن الوضع في العراق قاس بالفعل.

جاءت «قسوة» التقرير تعكس بشكل غير كامل مأساة العراق التي تسبب فيها الرئيس بوش وفريق المحافظين الجدد الذين شرَّعوا الحرب الوقائية وبموجبها استبيح بلد كامل وتعرض للتدمير وأهله للقتل والتشريد.

تقرير بيكر-هاملتون عرَّى مغامرة إدارة البيت الأبيض في العراق، فمنذ ثلاث سنوات ظل البنتاغون برئاسة الوزير المستقيل دونالد رامسفيلد يصف الوضع بالعراق على غير حقيقته، فكان يتحدث عن التقدم الميداني ومطاردة «فلول» الإرهاب وبناء عراق ديمقراطي يكون نموذجا في كامل منطقة الشرق الأوسط، ولطمأنة الأميركيين كان يعطي أرقاما تتحدث عن خسائر طفيفة يتعرض لها أبناؤهم الجنود، أرقاما لاتعكس أبداً استمرار هجمات هذه «الفلول» حتى وصلت إلى فقدان الجيش الأمريكي والحكومة العراقية السيطرة على مناطق شاسعة من العراق.

ظل البيت الأبيض يتحدث عن تقدم العملية السياسية وتطور العمل الديمقراطي في العراق، بينما غرق العراقيون في بحار من الدماء تسببت فيها جماعات احترفت القتل والتنكيل على الهوية.

فلم ير العراقيون من وعود بوش سوى الجثث ملقاة في الشوارع، بعدما تفنن المجرمون في التنكيل بأصحابها، ولم يروا الازدهار الموعود بل رأوا النهب المنظم لثروات بلادهم، حتى لم يعد الحديث عن وصف ما يجري في العراق أنه فساد، بل تجاوز هذه المرحلة وبلغ درجة الإفساد.

ظل الرئيس بوش يكرر قبل الغزو، بأن العالم سيكون أفضل بدون صدام حسين، وها هو العراق بدون صدام حسين، ومع ذلك استمرت الهجمات الإرهابية، بل أصبح العراق أرضية خصبة لجيل جديد من الإرهابيين.

رامسفيلد استقال وخلفه غيتس الذي أقر باستحالة تحقيق النصر في العراق، فماذا بقي أمام الرئيس بوش؟ الأفضل هو الاحتكام إلى ما جاء في تقرير بيكر-هاملتون رغم أنه «قاس»، والبدء في وضع حد لميليشيات الإفساد التي تزهق أرواح العراقيين يوميا، والعمل على تشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية تجمع كل أطياف العراقيين لمواجهة المرحلة القادمة.

أما غير ذلك فلن يكون سوى هروب إلى الأمام، لأنه إذا كان الوضع اليوم «قاسيا» فسيكون غدا أشد قساوة.