لم يكن فوز هوجو شافيز بفترة رئاسية ثانية في فنزويلاً مفاجأة إلا للواهمين بقدرة الإدارة الأميركية العظمى، على كسر عظام كل من تسول له نفسه الوقوف ضد تيار هيمنتها الجارف لكل قيم الاستقلال والسيادة والعزة الوطنية، وبالنسبة لكثيرين ممن يبحثون عن رمز عالمي يبعث الأمل في جدوى الدفاع عن قرار وطني مستقل، جسد انتصار شافيز لهم أنموذجاً فريداً، في المزج بين العداء لقوى الهيمنة والاستكبار الدولي من جهة والأخذ بأساليب العمل الديمقراطي والاحتكام لصناديق الانتخاب من جهة أخرى.
ولم يركن شافيز المناضل اليساري المشاكس للطريق السهل، الذي درج على اتباعه كثيرون ممن يصنفون أنفسهم في خانة المدافعين عن الاستقلال الوطني، وبرروا لأنفسهم الانقلاب على الديمقراطية، باعتبارها رجساً من عمل الشيطان الأكبر، وثغرة ينفذ منها الأعداء، للتأمر على الثورة والدولة.
وباتت الديمقراطية في أدبيات هؤلاء مرادفا للتبعية للآخر، وأداة لإضعاف النخبة الثورية، وسرقة ثمرة النضال الشعبي، وبالتالي، أصبح تكميم الأفواه، وإقصاء أصحاب الرأي الآخر، ضرورة، بمثل ما أصبح «السرادق» الاحتفالي بديلا عن التعددية الحزبية الحقيقية.
اختار شافيز الطريق الصعب لإنجاح برنامجه الثوري، لانتشال فنزويلا ومعها بقية دول العالم «النامي» أو الجنوب المتخلف من براثن الهيمنة الاستعمارية والهيمنة الأميركية. في يد يحمل برنامج مواجهة العولمة المتوحشة، وفي الأخرى اعتراف بقدرة الجماهير على الاختيار وحقها المشروع في انتخاب الأجدر بتمثيلها.
وإقرار بقدرة وعيها الجمعي على التمييز بين الديمقراطية كخيار وممارسة من جهة والديمقراطية كشعار زائف لتضليل الرأي العام وكحصان طروادة للانقلابيين الدمى في أيدي عاصمة الامبريالية الأحادية.
كانت المبررات فائضة عن الحاجة للانقضاض على الخيار الديمقراطي في فنزويلا، بعد عدة محاولات انقلابية فاشلة، مولتها وخططت لها أجهزة المخابرات المركزية الأميركية «سي أي ايه» بدأت بتظاهرات حاشدة يقودها رموز التبعية للسياسة الأميركية من كبار وكلاء المصالح و«البيزنس» العولمي، وتبثها المحطات الفضائية مباشرة، على طريقة الثورات الملونة في جمهوريات الاتحاد السوفييتي المنحل.
على أن شافيز، لم يركن لتلك المبررات، فلقد أدرك بوعيه المتوهج أن النكوص عن المواجهة في الشارع، يعني هزيمة حتمية لمشروعه، ولو بعد حين.
ففي مسيرة الصراع الدولي بين قوى التحرر وقوى الامبريالية، كانت الانتصارات العاجلة والمد التحرري في غيبة الحصانة الشعبية، مجرد هزيمة مؤجلة، لم يحل دون وقوعها سوى حضور الزعامة والقيادة التاريخية، التي انهار مشروعها فور رحيلها، ولم تغن عنها أحزاب قائدة لها أغلبية وهمية أشبه بأغلبية «السرادق الاحتفالي» التي تنفض بمجرد انفضاض «المولد» ويتحول ولاؤها الزائف لكل سلطة جديدة!
في سياق المواجهة مع شيطان العولمة والهيمنة وإمبراطورية ازدواجية المعايير جاء انتصار شافيز، وكسب معركة الصراع على دعم وولاء الجماهير الشعبية في بلاده لمشروعه التاريخي، وأضاف لخياره حصانة شعبية تقيه شرور المؤامرات الانقلابية والفتن الأهلية، التي تحركها على مدار الساعة قوى خارجية كبرى.
من المؤكد أن شافيز استوعب درس انهيار وفشل تجربة سلفادور الليندي بطل شيلي العظيم تحت ضغط التدخل الأميركي المباشر عبر انقلاب الجنرالات بزعامة الديكتاتور المحتضر اوجستو بينوشيه، وبهندسة سياسية صاغها ورسمها الداهية هنري كيسنجر، وترك لضباط «السي أي ايه» أمر التنفيذ، وارتكاب أبشع المذابح ضد نظام أسلم قياده لرومانسية ثورية حالمة. في زمن متوحش لا مكان فيه لأصحاب النوايا الطيبة.
قبل انتصاره في الانتخابات الرئاسية، الأمر الذي جعل الإدارة الأميركية تسارع بالإعراب عن رغبتها في التعاون مع كراكاس، خاض شافيز أشرس معاركه ضد واشنطن، الأولى على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، والثانية داخل قاعة مجلس الأمن خلال التصويت على عضوية فنزويلا في المجلس.
في المعركة الأولى كرس شافيز خطابه أمام رؤساء الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لفضح السياسة الأميركية وخططها للهيمنة على عالمنا، ومعاييرها المزدوجة، التي تقلب الخير شراً مستطيراً، وتجعل الشر خيراً وفيرا، وفقاً لمصالحها!.
رغم ثراء خطاب شافيز ومضمونه السياسي والثقافي ومنهجه التحليلي الشامل في نقد امبراطورية الهيمنة والعولمة، اختزلته وكالات الأنباء الغربية في عبارة «الشيطان كان هنا، أشم رائحته.. أعوذ بالله منه» في إشارة واضحة إلى الرئيس الأميركي جورج بوش الذي سبق شافيز في الصعود إلى منبر الجمعية العامة بيوم واحد، وأصبح الأمر كله وكأنه ملهاة أو كاريكاتير سياسي يثير الضحكات، ولا يدفع للتأمل في مآل أمور عالمنا.
استهل شافيز خطابه أو بيانه الشامل باستلهام من كتاب المفكر الأميركي ناعوم تشومسكي «الاستراتيجية الامبريالية للولايات المتحدة الأميركية» يظهر أن واشنطن تفعل قصارى جهدها لتكريس هيمنتها على العالم، واقترح عنواناً لخطاب بوش مستوحى من أفلام الرعب لالفريد هيتشوك «وصفة الشيطان»!
وخلص إلى أن بوش يرى في كل من يعارض هيمنته إرهابياً، ويعتبر كل من يواليه مناضلاً من أجل الديمقراطية، حتى لو كان عبر إسقاط ملايين القنابل العنقودية أو قتل الأبرياء المدنيين العزل بأسلحة الفتك والدمار الشامل، مثلما حدث في لبنان والعراق وفلسطين وأفغانستان.
وقدم شافيز خطته لإنقاذ الأمم المتحدة من مصيرها البائس، بعد أن تحولت إلى مجرد «حانوتي» دولي يوكل إليه دفن جثث ضحايا المقابر الجماعية لجيوش نشر الديمقراطية الأميركية، وأول أسس إنقاذ الأمم المتحدة تحريرها من قبضة «الفيتو» الأميركي المدمر لكل محاولات إقامة السلم والعدل الدولي. وسلام على شافيز صاحب الصوت الأعلى والأعقل في دحض أكاذيب الشيطان الأكبر.