في بيروت صاحبة القلب الكبير وعاصمة التلاقي حشد فريق «الأغلبية» الحاكم في لبنان منذ أكثر من السنة ونصف جمهوراً كبيراً ولجأ إلى الشارع لإسقاط حكومة الرئيس عمر كرامي رافعاً شعار الحرية والاستقلال والقضاء على نظام «الوصاية» وأتباعه من اللبنانيين. وجاء هذا الحشد بعد صدور القرار الدولي لمجلس الأمن 1559 والذي طالب بخروج القوات السورية من لبنان ونزع سلاح المقاومة اللبنانية والسلاح الفلسطيني وبعد حادثة استشهاد الرئيس رفيق الحريري.

والآن تشهد بيروت اعتصاماً حاشداً بقيادة المعارضة اللبنانية لإسقاط حكومة رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة وتشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل جميع التيارات السياسية والانتماءات الطائفية والمذهبية طبقاً للدستور اللبناني واتفاق الطائف.

وهذا الحشد يأتي في سياق مرحلة ما بعد الانتصار العسكري للمقاومة اللبنانية ضد إسرائيل واستقالة وزراء حزب الله وحركة أمل وحل المجلس الدستوري من قبل الحكومة والتخلي عن البيان الوزاري الذي تبنته حكومة الرئيس السنيورة في بداية عهدها.

فهل أصبحت بيروت عاصمة المسيرات الحاشدة من قبل هذا الفريق أو ذاك لتحقيق هدف أو أهداف سياسية وإن بالطرق السلمية ؟ وهل استنفدت جميع الطرق والوسائل الأخرى لحل الخلافات السياسية والتوصل إلى تفاهمات من شأنها تحصين لبنان من انزلاقات سلبية خطيرة يمكن أن تهدد وحدته وتماسكه وأمنه؟

الفريق الحاكم في لبنان شكك دائماً بعلاقة المعارضة اللبنانية بدول إقليمية، وتحديداً سوريا وإيران، واتهمها بتنفيذ أجندات سياسية خارجية ضد المصلحة الوطنية والسيادة والاستقلال، هذا بالرغم من الانسحاب الكامل للجيش السوري منذ أكثر من سنة.

وبالرغم من وجود فريق «الأغلبية» في الحكم لمدة طويلة نسبياً إلا أن هذا الفريق لم ينجح في توفير الأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي ولجأ دائماً إلى اتهام الخارج وبعض الأطراف اللبنانية لتبرير الفشل السياسي والاقتصادي والأمني في لبنان وأصبح يتهم «بالغوغائية السياسية» من المعارضة اللبنانية أو كما جاء بصريح العبارة على لسان زعيم التيار الوطني الحر العماد ميشيل عون.

بالمقابل واصلت المعارضة اللبنانية بقيادة حزب الله والتيار الوطني الحر وحركة آمل اتهام الفريق الحاكم بالتبعية لأطراف دولية وتحديداً للولايات المتحدة وفرنسا ووضع لبنان تحت «الوصاية الدولية» بل ذهبت إلى حد اتهام بعض الأطراف اللبنانية في السلطة بالعمل لمصلحة المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في المنطقة.

ويأتي اتهام المعارضة والاعتصام المفتوح في ساحتي الصلح والشهداء في الوقت الذي أعلنت فيه العديد من دول العالم وخاصة الأوروبية والولايات المتحدة وقوفها ودعمها لحكومة الرئيس السنيورة. وقد شددت هذه الدول على ضرورة «احترام سيادة واستقلال لبنان ورغبته في الحرية ... وأن لا يكون لبنان رهينة مصالح خاصة ليست مصالحه».

من جهة أخرى أعربت الحكومة الإسرائيلية عن قلقها من محاولة إسقاط حكومة السنيورة وقول مسؤولة في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي آيهود أولمرت: «إن إسرائيل تتابع بقلق كبير التظاهرات والاعتصامات، وإن مجلس الوزراء بحث التطورات اللبنانية في جلسته أمس». يضاف إلى ذلك أن رافي آيتان الوزير في حكومة أولمرت قال: «إن موضوع إبقاء حكومة السنيورة هو من اختصاص الولايات المتحدة الأميركية في حين عد وزير الاستيطان مائير شتريت الإطاحة بحكومة السنيورة مؤشراً على وصول أيادي دول أخرى إلى لبنان».

الواضح من الاتهامات المتبادلة بين الفريقين اللبنانيين أن الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في لبنان أصبحت سيئة للغاية بل وخطيرة على لبنان وعلى كل الشعب اللبناني وهي ليست وليدة أيام أو شهور أو سنوات قليلة ولكنها بالتأكيد نتيجة لتراكمات طويلة استفحلت في المجتمع اللبناني والطبقة السياسية اللبنانية وانتماءاتها الداخلية والخارجية.

فلبنان الطائفي والمذهبي داخلياً والمتعدد الولاءات خارجياً يقف الآن أمام استحقاق كبير مفاده أن الشعب اللبناني في هذه المرحلة يوشك أن يقرر ملامح مستقبله السياسي والاستراتيجي في وقت تشهد المنطقة العربية بأكملها تطورات خطيرة جداً سواء في العراق وفلسطين أو فيما يتعلق بموضوع الإرهاب والحريات والديمقراطية.

فلبنان ليس معزولاً عما يحصل في العراق من احتلال وتمزق وطائفية واختراقات إقليمية ودولية لسياساته وأمنه ووحدته خاصة وأن لبنان يتشابه مع العراق في بنيته المجتمعية السياسية، وطبيعي أن لا يكون معزولاً عما يجري في فلسطين المحتلة لا سيما أنه يعاني من سياسات إسرائيل العدوانية منذ ولادة الدولة العنصرية على حدوده الجنوبية.

والأهم من ذلك فلبنان يتأثر مباشرة بالسياسات الدولية التي ترسمها الدول العظمى وخاصة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط التي تعلن باستمرار عن ولادات جديدة لشرق أوسط كبير وجديد يلعب لبنان فيه دوراً جديداً.

والمعروف أن المنطقة العربية قد أصبحت منقسمة على نفسها بعد أحداث 11 سبتمبر واحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة عام 2003 وبدا أن ما يقال عن وجود محورين أساسيين قريبا من الصحة حتى أن اللبنانيين انقسموا على أنفسهم طبقاً لهذين المحورين ليبدأ التنافس السياسي الحاد بينهما على أمل أن لا يتحول هذا التنافس إلى صراع دموي.

الحقيقة أن لبنان لم يحظ منذ الاستقلال بنظام سياسي ديمقراطي حقيقي مستقر لا ترتكز دعائمه على مبدأ الطائفية والمذهبية وإن سمي بنظام «الديمقراطية التوافقية» لإعطائه صبغة ديمقراطية غير متوفرة على أرض الواقع. لأن هذا الشعب الذي انقسم على نفسه عمودياً أي طائفياً أثناء الحرب الأهلية في السبعينات والثمانينات هو ينقسم على نفسه عمودياً أيضاً في هذه الأيام وإن اختلفت التحالفات السياسية داخلياً وخارجياً.

ليس المهم من يفوز بالمعركة السياسية الجارية حالياً في لبنان لأن هذا الفوز سيشكل مرحلة من مراحل التطور والنضوج السياسي عند الشعب اللبناني الذي عرف وعشق الحرية أكثر من غيره من الشعوب العربية الأخرى منذ الاستقلال.

ولكن المهم أن يدرك الشعب العربي في لبنان أن تاريخه وحاضره ومستقبله مرتبط بمحيطه العربي والإسلامي وخاصة ذلك المحيط الجغرافي المباشر وأن التحالف مع الأجنبي القريب والبعيد لن يجلب للبنان إلا الدمار والتمزق كما هو الأمر في العراق وفلسطين. ونختم بالقول إن إرادة الشعوب الحرة هي التي تسود وتنتصر مهما طال الزمن أو قصر.

كاتب وباحث سياسي

isam99@hotmail.com