لاشك أن حوار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله»، والمنشور في جريدة «الشرق الأوسط» قد أجاب عن كل الإشكاليات والهموم التي يطرحها الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه دولة الإمارات، وأيضاً تناول كافة القضايا العربية والدولية، وتنقل الحوار إلى أجواء فكرية وثقافية متعددة.
وقد جاء الحوار في حينه ليواكب الأجواء الانتخابية الديمقراطية التي تعيشها دولة الإمارات هذه الأيام، ويتفاعل مع المتغيرات الإقليمية والدولية الساخنة والتي تحتل منطقتنا العربية بؤرة الأحداث فيها.
ونظراً لأن سموه قد دشن التجربة الديمقراطية الإماراتية، وفتح باب الحوار أمام جميع المواطنين في الدولة الاتحادية، فليسمح لي سموه أن تكون مقالتي رسالة حب ومشاركة بالرأي موجهة إليه،
حيث إنني كمواطن إماراتي أؤكد على اتفاقي مع رؤيتكم السياسية والاستراتيجية، ولكني أود أن يتحول اتفاقي معكم إلى مشاركة فعالة دعوتم أنتم ياسيدي إليها كل مواطني دولة الإمارات. فسموكم قد دشن التجربة الديمقراطية الإماراتية، وفتح باب الحوار أمام جميع مواطني دولة الإمارات. ولذا أود أن أشارك في بعض الأمور:
1 ـ طبيعة دور الحكومة:
الأمر الأول الذي أريد أن أتوقف عنده: هو طبيعة دور الحكومة في دولة الإمارات، فقد أعجبت كثيراً برؤيتكم التي ترى فيها أن يقتصر دور الحكومة على تهيئة البيئة المبدعة اللازمة لتعزيز دور المواطن وزيادة فاعليته، وهذا هو جوهر مرحلة «التمكين» التي تتولون قيادتها،
والتي دشنتموها في كلمتكم في الذكرى الرابعة والثلاثين للاتحاد وأكدتم أننا على مشارف مرحلة جديدة أطلقتم عليها مرحلة «التمكين» تمييزاً لها عن «مرحلة التأسيس» السابقة لها، وقلتم يا سيدي في تلك الكلمة إن المرحلتين مكملتان لبعضهما بعضاً تخدمان الأهداف نفسها وتنشدان الغايات ذاتها،وهذه رؤية سياسية متقدمة ومحنكة.
فالأداء الحكومي يجب أن يرتقي إلى القدرة على لعب دور تهيئة البيئة المبدعة اللازمة لتعزيز دور المواطن وزيادة فاعليته. ولا شك أن هذا يحتاج لأساليب إدارية جديدة تجعل الحكومة تنتقل من مرحلة الفاعل الرئيسي إلى مرحلة المنظم.
2ـ الديمقراطية عملية شاملة:
الأمر الثالث الذي أود التوقف عنده هو: التأكيد على أن الديمقراطية عملية شاملة، وهذا له عدة معان: أولها: أنه لا معنى للديمقراطية بدون تكوين المواطن الصالح القادر على حمل عبء المشاركة السياسية بوصفها ضرورة قصوى في عملية الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي التي تشهدها دولة الإمارات العربية المتحدة في ظل قيادة حكيمة أخذت على عاتقها مواصلة مسيرة الإصلاح التي كان قد بدأها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان طيب الله ثراه.
ثانيها: المترتب على الإيمان بان الديمقراطية عملية شاملة: هو ان الديمقراطية في المجتمع المدني غير منعزلة عن الديمقراطية في سائر قطاعات المجتمع العام. وإذا كانت الديمقراطية هي الأسلوب الأمثل في إدارة المجتمع المدني، فإنها لا يمكن ان تحقق أغراضها، بل ولا يمكن ان تكون ديمقراطية حقيقة، دون ان تعم سائر القطاعات، من أسفل إلى أعلى،
بحيث تعتبر ديمقراطية كاملة وليست ديمقراطية مبتورة بمعناها الغربي التقليدي أو بمعناها الشرقي المزيف؛ حيث إنها بالمعنيين ـ ليست ديمقراطية بشكل كامل، ومن ثم فالديمقراطية هي الجوهر في عملية إصلاح المجتمع المدني في دولتنا الاتحادية.
ولاشك ان دولة الإمارات تشهد تحولاً ديمقراطياً ملحوظاً من خلال ما تنشره الصحف اليومية والقنوات الفضائية، وهذا يمثل في رأينا، دفعة عملاقة لأدبيات وسلوكيات التحول الديمقراطي في الإمارات، لكن لابد من عدم الاكتفاء بهذا، ومواصلة السير قدماً على كافة المستويات من أجل إحداث تحول ديمقراطي حقيقي، وهو ما نأمله من خلال الجهود المشجعة التي يقوم بها أولو الأمر في بلدنا.
ولن يكون لنا مستقبل بدون زيادة مساحة الحرية، وانتشار مبدأ المحاسبة والشفافية، وحق تداول المعلومات، وتشريع القوانين الرادعة، لمكافحة الفساد، مع التطبيق الحاسم لها. وبدون السماح بالنقد البناء والايجابي، والعمل الفعلي على تطبيق الأفكار الإصلاحية، لا يمكن إحداث تطوير فعلي.
وبدون السماح لأجيال جديدة بتولي مواقع المسؤولية، سيصاب المجتمع بالجمود، فلابد من التعاون بين الأجيال القديمة ذات الخبرة الطويلة والأجيال الجديدة ذات الطموح والحماس والأفكار الحديثة من أجل الاستمرار في مسيرة النهوض والتنمية والتحديث.
إن التحول الديمقراطي ضروري يا سيدي، لاسيما وأن العالم كله يمر بما يسميه عالم السياسة الأميركي صمويل هنتنغتون بالموجة الثالثة للديمقراطية، ولذا نتمنى المزيد من أجل تحقيق التنمية الديمقراطية في دولتنا الاتحادية، لاسيما وان الإمارات قد قطعت شوطاً كبيراً في هذا الصدد بفضل جهود المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد ثم بفضل جهود سموكم،
لاسيما مع رؤيتكم المتعمقة للديمقراطية التي لا تنظرون فيها إلى الانتخابات النيابية على أنها المظهر الوحيد للديمقراطية، فالديمقراطية، على حد تعبيركم، هي حزمة من الممارسات التي تشمل بالإضافة إلى اختيار أعضاء المجلس الوطني الاتحادي حرية التعبير وقوانين تضمن حقوق الإنسان بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والفكرية، وهذا ما نتطلع إلى تحقيقه على أرض الواقع.
وفي الختام أقدم إلى مقام سموكم احترامي وتقديري على كل ما تفعلونه من أجل الارتقاء بدولتنا الاتحادية على طريق التقدم والعزة والرفاهية. وفقكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جامعة الإمارات
Razak-doc@hotmail.com
