بينما يعمد بوش إلى تعزيز تحالف الولايات المتحدة مع التنظيمات الشيعية في العراق وفي مقدمتها «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق» المتحالف بدوره مع إيران فإن الرئيس الأميركي يرفض في الوقت نفسه الدخول في عملية تفاوضية مع القيادة الإيرانية هذا التناقض الفاضح لا يحتمل سوى تفسير واحد هو أن الولايات المتحدة لا تعرف ماذا تريد على وجه الدقة... أو على الأقل لا تدرك مقدما أين يقودها هذا الطريق.
الرئيس بوش يصر على محاولته حجب الشمس بغربال بإنكاره أولا أن في العراق حرباً أهلية، وإنكاره ثانياً أن الميليشيات الشيعية تتخذ في هذه الحرب موقف الهجوم العدواني مما يجعل الميليشيات القومية السنية في وضع الدفاع عن النفس، وإنكاره ثالثاً أن الحرب على هذا النحو تنطوي على عمليات تطهير عرقي متصاعدة على غرار الحرب الصربية ضد البوسنة والهرسك، وإنكاره رابعاً أنه بينما تتخذ حكومة المالكي موقفا انحيازياً مع الميلشيات الشيعية فإن الولايات المتحدة بدورها تتخذ موقفا داعما لحكومة المالكي.
فإلى أين يقود هذا الطريق؟ قبل نحو شهر تلقى الرئيس بوش مذكرة خطيرة من مستشاره للأمن القومي ستيفن هادلي. وهي مذكرة لا مزيد عليها من ناحية الصراحة.
يقول هادلي إن المالكي «إما أن يكون جاهلاً بما يجري أو غير راغب أو غير قادر على وقف ما يجري»، ويمضي إلى وصف كيف حرمت حكومة المالكي الخاضعة لسيطرة شيعية شبه مطلقة، السنة من الخدمات الأساسية ومنعت عمليات عسكرية ضد أهداف شيعية، وأقصت قادة عسكريين من أجل تعزيز السيطرة الشيعية.
ولكن كما تقول صحيفة «نيويورك تايمز» في مقالة افتتاحية فإن بوش لا يرغب حتى في سماع مثل هذه الحقائق فضلاً عن اتخاذ إجراءات ما على أساسها. وتعقب الصحيفة قائلة إن هذه الإدارة تطبق سياسة خارجية أدت إلى «كارثة ذات أبعاد ملحمية»، وتقول في الختام إن التاريخ سيتذكر أن «الرئيس بوش لم يشأ أن يسمع أجراس الإنذار وان من حوله لم يشاءوا أن يقرعوا هذه الأجراس بصوت أعلى».
إنها سياسة أدت إلى توريط الولايات المتحدة في مأزق لن تستطيع البقاء فيه كما لا تستطيع الخروج منه. وربما يبرر بوش لنفسه أن التحالف الأميركي مع القيادات الشيعية سوف يؤدي عند نهاية المطاف إلى القضاء نهائياً على القوى القتالية التي تناهض الاحتلال.
هذا الافتراض قد يصح وقد لا يصح، ولكن حتى على أساس افتراض صحته فإنه سيؤدي أيضاً إلى قيام دولة عراقية متحالفة مصيرياً مع إيران. غير أن الكارثة الحقيقية هي ما آل إليه حال الشعب العراقي، وكما قال كوفي عنان فإنه يتفق مع العراقيين الذين يقولون إن الحياة في العراق باتت الآن أسوأ مما كانت عليه في عهد صدام، وقال عنان أيضاً: لو كنت مواطناً عراقياً عادياً لعقدت المقارنة نفسها بالتأكيد.
لقد شنت الولايات المتحدة الغزو في عام 2003 بهدف تجريد عراق صدام من أسلحة دمار شامل ولم توجد أسلحة.. لكن العراق عرف على أيدي الاحتلال الأميركي الدمار الشامل الحقيقي.