الحراك الدائر في المشهد السياسي الأميركي يستأثر باهتمام خاص، إقليمي ودولي. والسبب انه مكثف ومتسارع؛ ويطال الرموز والخطاب. فهو لم يكن متوقعاً، حتى الأمس القريب. كما أنه يرمز إلى حدوث انعطافة. أو على الأقل إلى التسليم بأن حساب الحقل لم يتطابق مع حساب بيدر سياسة إدارة بوش في العراق وبالتالي إلى اضطرار هذه الأخيرة إلى الرضوخ لمجريات الوقائع على الأرض؛ التي فرضت قانونها على واشنطن.

السؤال: هل يصل هذا الرضوخ إلى إحداث تغيير في جوهر السياسة التي أدت إلى مثل هذا الانهيار في العراق، أم أنه يقف فقط عند التغيير في الأشخاص وفي بعض مفردات الخطاب؟ عملية الغربلة لا تزال جارية. أمس كشفت لجنة بيكر عن تقريرها وهي مشكلة من ديمقراطيين وجمهوريين. توصياتها اتخذت بالإجماع. فحواها أن السياسة المعتمدة في العراق مطلوب حصول تعديل على وجهتها. بين سطورها دعوة إلى مغادرة تدريجية للقوات الأميركية؛ من الساحة. وبالتحديد لدورها الأمني المكلف.

وأول من أمس اعترف وزير الدفاع الجديد، روبرت جيتس بأن «النصر لم يتحقق في العراق». ضمناً، كلامه يؤشر إلى أن واشنطن صرفت النظر عن هذا الهدف. كما أشار الوزير إلي معارضته «مهاجمة إيران أو سوريا» عسكرياً. ضمناً، أيضاً، كلامه يؤشر إلى ـ أو ربما هو رسالة إلى البلدين ـ وجود استعداد أميركي لفتح حوار مع دمشق وطهران.

ومثل هذا التوجه ترجحه لجنة بيكر ـ هاميلتون. وفي هذا السياق تم الكشف عن أن وزير الدفاع السابق، رامسفيلد، المحسوب على خندق الصقور؛ كان قد رفع قبل يومين من استقالته؛ مذكرة إلى الرئيس بوش؛ دعا فيها إلى إجراء تعديلات وازنة في خصوص الملف العراقي. حتى مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي ستيفن هادلي، أقر هو الآخر، قبل أيام، بالحاجة إلى «تغيير ما».

ما ينطق به كل ذلك، له أكثر من جانب. أهم هذه الجوانب أن الجدل داخل الإدارة حسم لصالح المدرسة البراغماتية على حساب المحافظين الجدد الذين بدأت طروحاتهم تتهاوى ونفوذهم ينحسر. ويشي ذلك ـ أو من المفترض أن يشي ـ بأن رياحاً جديدة أخذت تنفخ في شراع سفينة البيت الأبيض. ربان هذه السفينة لا يزال يعاند. لكنه بات يدرك بأنه من المتعذر الاستمرار في نفس الوجهة.

لا فرار من الانعطاف. لم يعد بوسعه الصمود أمام الضغوط الداخلية. خاصة بعد خسارة انتخابات الكونغرس وسيطرة خصومه الديمقراطيين على الأكثرية في مجلسيه. كما أنه لم يعد قادراً على عدم أخذ عامل الوقت في الاعتبار. رئاسته بقي منها سنتان. وعليه توظيفهما لإنقاذ موقعه على الأقل للحد من الخسائر؛ بتأمين مخرج من الورطة العراقية، قبل نفاد الفترة المتبقية له، في البيت الأبيض.

وإذا كانت درجة زاوية انعطافته لم تتحدد بعد، والسوابق لا تشجع على التفاؤل فإن تحديدها مرهون أيضاً بعوامل أخرى. على رأسها، المعطيات الداخلية في العراق. فإذا واصلت العملية السياسية تعثرها، بل انسدادها؛ وإذا ما توالى التدهور والتفاقم في الوضع الأمني؛ فإن ذلك من شأنه تسهيل أمر السياسات والخيارات، المؤذية للبلد. والعكس صحيح. واللحظة دقيقة وفاصلة. أصابع الفتنة بلغت شوطاً ملحوظاً في مهمتها.

وزراء لجنة العراق، أشاروا في اجتماعهم أول من أمس في الجامعة العربية إلى هذا الخطر وحذروا منه. كما دعوا الجوار إلى وقف تدخلهم بشؤون البلد. لكن كل التحذيرات لا تنفع ولا تردع؛ إذا ما أصر أهل الدار على مواصلة العمل بسياسة التباعد واستبعاد المصالحة الوطنية الشاملة.