بدأت تتساقط صقور الحكومة الأميركية بنهايات غير سعيدة لرامسفيلد وزير الدفاع، وجون بولتون مندوب أمريكا في الأمم المتحدة..
الأول قال بتصريح ناري نهاية أوروبا العجوز، والآخر قال: "إن إزالة عدة طوابق من مبنى الأمم المتحدة لن تغير من الأمر شيئاً.. وهذه التصريحات تعيدنا إلى ذكريات كلمات وأفعال نارية قادت الزعيم السوفياتي خروتشوف أن يرفع حذاءه على منصة الأمم المتحدة ويعتبر الرئيس الأمريكي إيزنهاور لا يستحق قيادة دولة عظمى لوجود وظيفة شاغرة له في الاتحاد السوفياتي في حضانة للأطفال"..
وماوتس تونج الذي اعتبر عناصر من الحزب الشيوعي السوفياتي امبرياليين، كان يقول عن قوى الرأسمالية "سنجعل من جماجمهم منافض لسجائرنا" ومع أن الدبلوماسية فن التعامل واعتبار الكلمات دائماً محسوبة على أي مسؤول، إلا أن نيران التصريحات تتوحد داخل الرأسمالية والشيوعية معاً، ولا تختلف بين قوة عظمى، ودنيا إذا ما اختلت المعايير، وتحولت لغة الشارع إلى تهييج يعكس مدى دخول القوى العظمى في لغة المهاترات كأسلوب لإدارة الحرب الباردة..
رامسفيلد، وبولتون، هما جزء من فريق المحافظين الجدد الذين رسمو للرئيس بوش الوعد الإلهي بتحرير العالم وإقامته على القيم الأمريكية، والمشكلة في الأمر حين تصبح القوة العسكرية والمادية بيد متطرفين ينزعون بأفكارهم وسلوكهم إلى جعل العالم طفلاً جاهلاً يحتاج إلى تعليم وحضانة وتربية جديدة، بينما حضارات إنسانية كبرى سبقت الوجود الأمريكي، وهي من وضع أول سلالم الوعي الحضاري، والاكتشافات الكبرى، وأن لا فرق بين الأيديولوجيات الشمولية التي تطرح علو العرق النازي، أو توحيد عمال العالم ليحكموا البشر، أو من يضعون أنفسهم بمراكز الأنبياء كمرشدين للبشرية وطبعهم بنفس صورة أمريكا..
فعالية الواقع، والتقاطع مع التاريخ ودوراته الكبرى، هي التي أخرجت الاتحاد السوفياتي من دائرة المنافسة بفعل تآكل أوضاعه الداخلية، ونفس الدورة الفلكية بدأت تعيشها أمريكا التي نصبت نفسها البديل، وحتى أقوال ماوتس تونج، غيرتها السلطة الصينية إلى وسائل الإنتاج وغزو العالم بالسلع المنافسة والرخيصة، أي أن دبلوماسية الإنتاج وإغراق السوق العالمي أجدى من كل حروف الشتيمة والتهديدات، وهذا الوعي الجديد ربما يكون رسالة موجهة لقوى أخرى تريد أن توجه قوتها إلى رسم خرائط للعالم بمواصفاتها..
أمريكا دولة عظمى، لا يريد العالم انهيارها، أو انغلاقها على نفسها بعد تجارب حروب خاسرة آخرها في العراق وأفغانستان، وإنما تعديل بسياساتها ونمط تفكير قادتها، بأن تكون الدبلوماسية تسير باتجاه القيم الإنسانية بدل حشد الأساطيل وإرسال الصواريخ عابرة القارات لمواقع لا تحتاج للحروب، وإنما خلق فرص التكافؤ السياسي والعلاقات المتوازنة..
وإذا كانت أمريكا مستنفرة بعد فشلها في الحروب وتريد إعادة صياغة سياسات جديدة، فإنها في المنطقة العربية، والعالم الإسلامي، تحتاج إلى وعي بشروط مختلفة حتِى تسترد عافيتها، وإلا فإن كل النظريات ليست ناجحة، إلا إذا تطابقت مع أهداف قابلة للتنفيذ..