الوضع اللبناني دخل مساحة ما بين الغليان والشرر. ثمة إجماع لدى مختلف الدوائر السياسية والإعلامية، بأن الحالة تدعو إلى الفزع الحقيقي والمبرر.الفزع من كون أن الأزمة ما عادت تلامس تخوم منطقة «خطر الموت». بل دخلتها. ولو بخطوة، جرى تطويقها حتى الآن. لكن التعقيدات الأساسية تتفاقم وتغور في عمق النسيج اللبناني؛ ليست فقط السياسي. بل والاجتماعي. وهنا مكمن الخوف.

ما حصل في بيروت ليلة أمس وقبله، مرشح ليتكرر وربما ليتوسع؛ طالما أن منسوب الاحتقان في حالة ارتفاع سريع ومؤرق، ذلك أن الحرب الإعلامية الضارية وغير المسبوقة، مفتوحة جبهاتها على الآخر.

خطابها بلغ حداً من عنف التراشق، بحيث بات يهدد بنسف جميع الجسور بين الأفرقاء. ولغة الحقن الطائفي وصلت إلى أعلى درجاتها. يقابل ذلك ويأتي في امتداده، انقطاع الحوارات ومراوحة الوساطات والمساعي، المحلية والعربية. لا مبادرة في الساحة. حتى الأفكار المتداولة على سبيل جس النبض، شحيحة. وزاد الطين بلّة ان حالة التوتر تطورت إلى صدامات، في أكثر من ناحية في العاصمة وأدّت إلى وقوع قتيل وعدة جرحى.

وكأن أصابع الفتنة تصرّ على التسلل إلى الساحة، لتدفع بها إلى دائرة المحظور.ومع أن الاستدراك قد جرى بسرعة وساد ضبط النفس؛ إلا أن الحادثة المؤسفة قد فرضت استحضار بعض ذكريات الماضي ورفعت من درجة الحذر والترقب.

لاسيما وان المزيد من قوات الأمن والجيش مازالت تتدفق على شوارع بيروت؛ في محاولة لاستباق أي استئناف للمواجهات وذلك في ظل مشهد سياسي مأزوم، إلى حد غير مألوف.

لكن كل ذلك لم يمنع حركة الاتصالات والوفود من الحفاظ على وتيرتها العالية. فالمسؤولون العرب مازالوا يتوافدون على العاصمة اللبنانية حاملين الرسائل والتحذيرات؛ مع بذل المحاولات للعثور على صيغة مخرج ما، وتردد ان هناك «رزمة من أربع نقاط» عرضت على المعنيين في لبنان؛ من جانب أمين عام الجامعة العربية.

لم يحصل الرد عليها حتى كتابة هذه السطور، والمعروف ان مجلس الجامعة العربية قد عقد اجتماعه اليوم ونظر في الحالة اللبنانية. وربما استؤنفت وتكثفت التحركات العربية، على اثر ذلك.

فالواضح المؤرق ان البديل عن فتح فجوة في جدار الأزمة، هو المزيد من الانسداد وبالتالي من خطر الاحتكاك، ولا فكاك من مثل هذه النتيجة ما لم يتم نقل الملف من جديد إلى الطاولة أو النجاح في حبك تسوية وسطية؛ ترضي كل الاطراف.

بيد ان البلد في سباق مع الوقت، بل مع الساعة، والعجلة هي العنوان الذي لابد وان يحكم عملية الاستلحاق للبنان، قبل أن يخطو خطوة أخرى في طريق المواجهة الملتهبة أجواؤها والخصبة أرضيتها. ففرص الانفراج على تضاؤلها واقتراب نفاد التريث في قنديلها؛ لا تزال قابلة للانتعاش.

وفي ذلك امتحان آخر لقدرة الوضع العربي على تشكيل زورق نجاة لبؤرة أخرى في المنطقة مهددة بالالتهاب، المتعذر على الإطفاء لو اندلعت النيران، وليس في الساحة غير الإطفائية العربية.