حين يسير المرء في شوارع دبي تطالعه على جوانب الطريق لوحات جميلة موحية، تعلن عن قرية ضخمة، يُخَطَّط لها أن تكون مشروعا فريدا تتعانق فيه عبقرية العمران وعبق الثقافة في فضاء يقدِّر الثقافة وأهلها، وأرض تعرف ما للثقافة من أثر عميق قويّ في وجدان الفرد والمجتمع.
ولا شك أنّ قرية الثقافة هذه جاءت ترجمة لرؤية حكيمة يقودها صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، هذه الرؤية التي تنظر إلى الثقافة بكل تجلياتها وأشكالها على أنها أساس متين من أسس بناء الدولة، وتطوير الحياة فيها، لا يقل أهمية عن مظاهر التطوير الأخرى.
وهذا أمر رسّخه قادة البلاد وأهلها من قبل، وما زالوا يتواصون بالقول والفعل على الاستمساك به، وتربية الأجيال على تقديره وتثمينه، وليس أدل على ذلك من الإعلان عن جائزة زايد للكتاب، التي تعبر بشكل آخر عن تقدير قادتنا للثقافة، وعمق نظرتهم في معرفة دورها العميق في تشكيل بنية متينة ينهض عليها المجتمع، وهو يأخذ بأسباب المنعة والقوة من مصادرها التي لا تنضب ولا تخبو ولا يمحى أثرها.
ولا شكّ أنّ الأدب بكل أشكاله من أكثر مظاهر الثقافة عمقا وجمالا وإبداعا، فهو يتمتع بشكل خاص من التواصل مع المتلقي تتجلى فيه الحميمية والحكمة والتبصر في أعمق صورها نفاذا وملامسة للنفس؛ فالأدب نبع خالد من منابع التجربة الإنسانية بكل تجلياتها وإيقاعاتها الممتدة في الزمان والمكان والإنسان.
وقارئ الأدب يكوّن ثقافته على نار هادئة تُنضِج رؤيته على مهل، وتكسبه بصرا ثاقبا يجعله يفهم الحياة بتناقضاتها الصارخة فهما فيه الكثير من النضج والتقبل والإدراك، فيتخلص من النظرة الأحادية القاصرة التي ترى العالم من منظور القناعات الفردية المغرقة في الذاتية والانغلاق على النفس والمحيط المألوف.
فالأدب انفتاح على الذات وعلى الآخر، وهو مصدر أصيل من مصادر التربية والتعليم. وهو أفق لا محدود من التجارب الإنسانية والخيارات والطموحات والقيم، التي تمنح الفرد فرصة فريدة ينسج منها فلسفته الذاتية ورؤيته الخاصة.
إنّ الأدب ليس شكلا فنيا خالصا، ولا لغة مجردة، إنه موقف من الحياة يقدمه للقارئ مبدع أعطي من نفاذ البصر وعمق البصيرة ما يمكنه من سبر أغوار النفس البشرية، ورصد تناقضاتها، وتقلباتها بين الخير والشر، والخطأ والصواب، والأمل واليأس في أدق تفاصيل الحياة تداخلا وتعقيدا، فهو ينقل للقارئ موقفا من الحياة، ويصوّر الناس وهم يتدبرون قدرهم، ويصارعون مشكلاتهم في تجارب تبصر القارئ بالطبيعة المتقلبة للنفس الإنسانية، فتكسبه فهما على فهم، وتعطيه بعضا من نور المعرفة في أدق أشكالها تعبيرا، وأكثرها جمالا وتصويرا.
ونحن في ظل هذه الطفرة الحضارية المتسارعة التي تشهدها بلادنا على جميع الأصعدة أحوج ما نكون إلى أن نتمسك بمثل هذه المصادر الخالدة من مصادر المعرفة والثقافة والتربية والتعليم، فالأمم الأخرى، على تفاوتها في التقدم وكسب شروط التطور المادي، تكاد تتساوى في اعتزازها بثقافتها وأدبها.
وتعمل بدأب وجهد واقتناع على أن ترسخ حبّ الأدب في نفوس الناشئة من أول خطوة يخطونها في درب التعلم والمعرفة، مسلحة بدراسات علمية ولغوية وتربوية تؤكد بالأدلة القاطعة والتجارب الكثيرة في ميدان التعليم على أنّ تعليم الأدب للناشئة منذ البدء كفيل بأن ينمي عندهم مهارات عالية في التفكير والتحليل والفهم والنقد، وهو مصدر غني من مصادر تنمية جانب مهم من جوانب التفكير الإبداعي.
وهو ما يسمى بالطلاقة اللغوية، كما أنّ تعليم الأدب بأشكاله المختلفة يعد من أكثر الوسائل قوّة في تعليم القراءة والكتابة، وتنمية حب المطالعة عند المتعلمين، وتعزيز الميل إلى تثقيف الذات، وتربيتهم على التبصر في النفس البشرية، وفي الحياة والمجتمع بكل ما فيه من أشكال التناقض والاختلاف والتفاوت.
ويمكنهم من التواصل مع الآخرين تواصلا فيه الكثير من التفهم والتواضع وبعد النظر، لأنه يعطيهم فرصة تكوين مخزون إنساني مشترك؛ إذ (إننا نشارك، بواسطة الأدب، في مواقف تخيلية، ونشاهد الشخوص وهي تمرّ بالأزمات، ونستكشف أنفسنا والعالم من حولنا) في لحظة اندماج نادرة، ترفعنا فوق ما اعتدنا على رؤيته، لنرى من موقعنا الجديد أبعادا قد نكون لم نفكر فيها من قبل، ولم تخطر لنا على بال.
وفي ظل كل هذه المعطيات فإننا نتوقع من وزارة التربية والتعليم، وهي تخطط للتطوير، وتضع تصوراتها المستقبلية لتعليم يتجاوز ثغرات الماضي وأخطاءه أن تواكب رؤى قادتنا الحكيمة، وأن تستجيب لتوجهاتهم في جعل الثقافة أصلا راسخا من أصول التعليم في بلادنا، وأن تنطلق من رؤية تقدّر التراث الأدبي العربي والعالمي، فلا ترى تعليم الأدب ترفا يمكن أن يستغنى عنه، ولا تنظر إليه نظرة فيها الكثير من الانتقاص وتقليل القيمة؛ إذ لا يجدر بمؤسساتنا التعليمية.
وعلى رأسها وزارة التربية والتعليم، أن تخطط أو توجه سياساتها في اتّجاه يعاكس ما تسير عليه كل الأمم التي قطعت شوطا كبيرا في تطوير تعليمها، ويناقض كل الدراسات التربوية واللغوية والعلمية التي تؤكد أهمية تعليم الأدب ودوره المهم في تثقيف المتعلمين، وتعزيز مهاراتهم اللغوية ومعارفهم العامة، وتوسيع أفقهم وتعميق رؤاهم، كما لا يتوقع من وزارة التربية والتعليم أن تسير في درب يرجع بها إلى الوراء خطوات كثيرة، بعد أن قطعت أشواطا طويلة في مجال التخطيط لتعليم علمي يواكب العصر، وينفتح على المعارف والعلوم، وينمي المهارات والتفكير.
والأهم من هذا كله لا يتوقع من القائمين على تطوير التعليم في الوزارة أن يشيروا إلى أن تصريحا أو تلميحا بعدم أهمية تدريس الأدب في مناهج اللغة العربية، لأن المهم ـ كما يقولون ـ هو تدريس القراءة والكتابة! وكأن الأمرين منفصلان لا علاقة بينهما! وهذا شيء لا يقول به أحد، ولا يفهمه أحد.
فكيف ينظر إلى الأدب على أنه يعيق تعليم القراءة وهو أجمل وعاء تقدم فيه مهارة القراءة للمتعلم، وأكثر أنواع النصوص عمقا وجمالا وتحريكا للمشاعر والأفكار؟! وكيف يمكن أن يعقل عاقل أن تتجه مؤسسة كوزارة التربية والتعليم في اتجاه يناقض ما يسعى قادتنا إلى ترسيخه وتأكيده وتقريبه إلى كل فئات المجتمع، وبكل الوسائل المتاحة والمبتكرة.
نحن نتطلع إلى أن يتحقق التناغم والانسجام بين طموح قادتنا وبعد نظرهم في مجال التربية والتعليم والتثقيف وما تسعى الوزارة إلى ترسيخه من أدبيات وسياسات.
فالأدب ليس ترفا ولا هامشا ولا عائقا، بل إنّ تعليم المهارات اللغوية خارج سياق النص الأدبي شلل كامل للعملية التعليمية، وقفز في الفراغ، وسباحة ضد التيار. وإلا فكيف يكون الأدب ملهما؟ وكيف يراه ذوو البصيرة عالما أخّاذا زاخرا بالحكمة ونور المعرفة إن لم يكن كذلك في الحقيقة؟ فلابد، إذن، من الانسجام التام مع الرؤية الاستراتيجية الجماعية الحكيمة في اتخاذ القرار بعيدا عن المزاجية والارتجال.
جامعة الإمارات