دعونا نختلف من أجل مصلحة وطنية أو قومية، لكن لا تجعلوها طرائق تحركها آليات التخلف التي تتحزب أو تضع الأصول القبلية، والتبعية الطائفية والحزبية فوق المصالح العليا، والخوف من المرض العربي أن العقول مركبة على الخلافات بدليل أننا لو جمعنا أساتذة الجامعات العربية، وخلفهم كل عباقرة الفلسفة والفنون والآداب، وعلماء الاجتماع في انتخاب نقابات لهم ترشح الأفضل بدون بعد إقليمي، أوفئوي، وإنما على الكفاءة والتأهيل، لرسب الجميع، والسبب أننا لا نحاكم أخطاءنا وفق قاعدة النقد البناء، وإنما برؤية نقائض الآخرين وبناء الأحكام عليها، وتبرئة الذات من القصور ليتحمله الآخر كنوع من الهروب الحاد..
كل جبهة منشغلة بخصوماتها، الرياضة، والسياسة والدين ولم تقف فقط على هذه الفئات أو الفصائل، وإنما طالت الفنانات والممثلات، وكل من له علاقة بالمجتمع والاقتصاد والتربية، ولذلك ينشأ الشاب العربي في بيئة معقدة لا يمكن أن تكون له الاستقلالية بالقرار طالما تمارس عليه الأبوية القامعة من الأسرة، والمدرسة، والشارع، ويجد مسألة عزله عن الحياة وممارسة شيء من حريته إحدى أهم الممنوعات، وفي هذا السياق لا ندري كيف أصبح انتشار الجريمة حتى بين النساء، وصار الأحداث نهباً بين قوى تجرهم للانحراف، أو اللجوء إلى عناصر التكفير، والذين يتمتعون بدلال زائد ووفرة بالثروة، أصبحوا عنصراً هامشياً لأن توفير متطلبات الأسرة، وإغراقها بمختلف وسائل الترف، حوّل بعض الأسر إلى اعتبار الحرمان السابق جناية كبرى يجب أن تعالج بنقيضها أي الترف المبالغ فيه..
دعونا نختبر قدراتنا وأعصابنا على التحمل، كيف يمكن معالجة قضايا مصيرية على مستوى الزعامات بأن نصل إلى عقد مصالحة تجعل همنا هذه القضية وحلها دون تدخل أجنبي أو تحزب عربي يتحالف ضد بعضه، ثم دعونا أيضاً، نعمم هذا السلوك على طبقات المجتمع المتنفذين في قيادات إدارية، وعسكرية واجتماعية، وكل ما له علاقة بإقامة جسور المصالحات الوطنية، ثم لنذهب كفريق واحد في معالجة قضايا مع العالم الخارجي بروح الوطن الواحد الذي يجمعه التاريخ والمقدسات والتراث واللغة، فهل ننجح بمثل هذه الوصفة؟
المؤكد أننا لن نتفق، والدلالات كثيرة، انظروا من تحاربوا ومن يتحاربون، وكيف أن من يقود المعارك ويتحدث باسمها ويفتي أو يقرر مبدأ الحرب، هم طلائع المجتمع من جامعيين وعلماء دين، وقادة جيش، ومن خلال هذه الأوساط النافذة في خلايا الشعب صار الانقسام عقيدة راسخة في الذهنية العربية، لدرجة تجاوزت كل مناطق العالم التي تحاربت لأسباب مماثلة، ولكنها، في النهاية، وصلت إلى حقيقة أن الأهداف العليا تصنعها العقول الواعية المؤسسة للمصالح، وليس لمن يبني عقيدته ووعيه على الفئوية والقيادة التي تؤسس وتشرع ضمن نطاق بيئتها الضيقة والمفتونة..
وطننا العربي تقوده غرائزه أكثر من عقله، أو ما يجري على خريطة اليوم في معظم أقطاره تعدى منطق اللامعقول، وحسابات الكسب والخسارة، إلى الإفلاس التام بكل شيء..