إن الصور التي كشفت عنها الأمطار منذ أيام في بعض مناطق الدولة، والتي أشارت إلى عدم جهازية تلك المناطق لمواجهة أوضاع وأزمات صغيرة كهطول الأمطار، بالإضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي عن بعض المناطق بشكل مفاجئ في فترة سابقة، ومشكلة الازدحام المروري الذي يشكو الجميع منه،

بالإضافة إلى قضايا أخرى ملحة لا يتسع المجال لحصرها، أكدت على أهمية وجود مركز أبحاث قومي وطني على مستوى الدولة تكون مهمته وضع السيناريوهات المحتملة لأوضاع سياسية واقتصادية وصحية واجتماعية وثقافية وبيئية مستقبلية، لا يمكن أن تبقى الدولة في معزل عنها. ما نلاحظه حتى اليوم ان مجمل تحركاتنا كمؤسسات ودوائر لا تتجاوز ردود فعل على أوضاع طارئة نتعرض لها. قد يقول قائل إننا لا نتعرض لأوضاع طارئة إلا في النادر،

وقد يقول آخر ان بعض مؤسساتنا ودوائرنا الحكومية خصصت أقساماً وإدارات تقوم بمهمة البحث في نطاق اختصاصها، وقد يقول آخر إن هناك مراكز دراسات خاصة يمكن الاستعانة بها في هذا الخصوص، لكن ذلك كله لا يعني ان نقلل من أهمية وجود مركز أبحاث قومي وطني تكون مهمته المساهمة في دراسة واقع مجتمعنا وتحليل معطياته لوضع سيناريوهات وتصورات تعين على تنفيذ استراتيجيات، وخطط بديلة وأخرى طارئة.

الدول المتقدمة لديها مراكز بحوث متقدمة تنفق عليها مليارات الدولارات لأنها تدرك فائدة هذه المراكز، إذ تعتمد في وضع سياساتها وصياغة استراتيجياتها على استشارات تقدمها تلك المراكز. ومن أجل ذلك تكرس هذه الدول جهدها في تعزيز الثقافة البحثية لدى أبنائها وشعوبها منذ نعومة أظفارهم ومنذ صفوف تعليمهم الأولى، مؤسسين بذلك فكراً يتشبث بالقيم العلمية، والمنهج العقلاني والحجة والموضوعية.

إعداد الأبحاث في مراحل مختلفة من سلم التعليم وجعلها جزءاً من ثقافة أبنائنا وأداة تفرض عليهم بعد إقناعهم بمدى الحاجة إليها، وتعزيز هذه الثقافة فيما بعد في مؤسساتنا، سيمهد حتماً لوجود كوادر وطنية مدربة ومؤهلة للعمل في مركز بحث قومي وطني يعزز قيم التفكير والبحث العلمي في مختلف مجالات الحياة، بعيداً عن التفكير المعتمد على السطحية وتطبيق ما لدى الآخرين من أبحاث جاهزة وان كانت لا تتناسب مع واقعنا، وهو الأمر الذي يفرز لنا فيما بعد باحثين «ان وجدوا» غير محترفين، وغير منتجين للمعرفة والأفكار التي تسهم في تنمية حقيقية للبلد.

التركيز على البحث العلمي ومهاراته لابد وان يكون أمراً نهتم به حالياً، لاسيما بعد النهضة التي تشهدها الدولة والتي أصبحت بحاجة لمن يبحث فيها. وهذا المركز لابد وان ينشأ بسواعد وعقول وطنية تدرك خصوصية مجتمعها أكثر من أي شخص آخر. فدولة الإمارات لا تنقصها الإمكانات المادية ولا الكفاءات الوطنية التي يمكن ان تدير مثل هذا المركز.

ومركز الإمارات للبحوث والدراسات الإستراتيجية في إمارة أبوظبي شاهد على تجربة ناجحة، لابد وان ترصد كتجربة نقيم نتاجها ونسعى للاستفادة منها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. فطالما ان هذا المركز اثبت نجاحه واستطاع ان يثبت من خلال إصداراته ونشاطاته قدرته على استشراف المستقبل وإدراك السيناريوهات الأقرب للتحقق في مجالات مختلفة، فذلك دليل على اننا قادرون على ان نأتي بمركز لا يقل عنه ولكنه بحاجة إلى قرار جاد.

maysaghadeer@yahoo.com