لم تأت الحركة السياسية المستجدة للدبلوماسية الأميركية في المنطقة من فراغ، فقد تكون زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش إلى العاصمة الأردنية عمان، ولقاءاته هناك بشأن العراق، محاولة ولو جاءت متأخرة جداً في محاولة استيعاب تطورات الملف العراقي، بعد أن بات ملفاً متقيحاً، أطاح بحزب الرئيس بوش في الانتخابات النصفية الأميركية التي جرت قبل فترة قصيرة.

ان زيارة الرئيس جورج بوش إلى عمان، ولقاءاته إياها، محاولة أيضاً في استيعاب تباينات القوى السياسية العراقية المقربة من واشنطن وغيرها من القوى العراقية، بمشاربها المتنوعة، بشأن مستقبل العراق، في ظل الخيارات المطروحة بعد وصول الأوضاع هناك إلى عنق الزجاجة.

وتتالى همس الأصوات الخفية التي تتواتر من حين لآخر منادية بإحداث التقسيم الفعلي للعراق بين ثلاث بقع جغرافية على امتداد مساحته. من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب.

ان الإدارة الأميركية، باتت تتألم من انفتاح الجرح، وتقيح مجموعة الملفات الساخنة في منطقة الشرق الأوسط، وصولاً إلى إيران وكوريا، كما باتت تتألم من حجم الخسائر اليومية التي تقع في صفوف قواتها في العراق، دون أن تجد أو تتلمس حلولاً مرضية.

فقد دخلت إلى العراق على أمل إنهاء الموضوع برمته خلال فترة قصيرة، وإسقاط النظام هناك، مع الحصول على الحصة الكبرى من فواتير اعمار مرحلة ما بعد الحرب، إلا أن خيبة الأمل دفعت حتى الصقر الجارح دونالد رامسفيلد للاستقالة بالرغم من مرور أعوام ثلاثة على اجتياح العراق وسقوط بغداد، وبالرغم من هالة الوعود الكبيرة التي بشر بها بشأن المستقبل «الديمقراطي» الواعد الذي ينتظر العراق، فلاذ هرباً من هزيمة كان يأمل منها انتصاراً ساحقاً بداية سقوط بغداد، ومع تهاوي التمثال في ساحة الفردوس.

ان زيارة الرئيس جورج بوش إلى العاصمة الأردنية ولقاءاته الأردنية مع رزمة الملفات التي كان يحملها، لن تجدي نفعاً دون الاقرار الأميركي بالانسحاب الشامل والتام من العراق، من خلال وضع أجندة للانسحاب تحت رعاية مجلس الأمن الدولي، والقوى الدولية الكبرى المقررة في العالم خصوصاً دول المجموعة الأوروبية وروسيا والصين.

وإنهاء حالة التفرد الأميركي في البت بمصير ومستقبل العراق، فالسياسة الأحادية الأميركية لم تستطع أن توصل أيا من الأزمات الدولية إلى بر الإيمان، بل على العكس من ذلك، حيث اصطدمت الأزمات الدولية، ومنها أزمة العراق، بجدران التفرد الأميركية ومنطق الاستحواذ الأميركي القائم على لغة المصالح الأحادية، ومنطق استبعاد باقي الأطراف الدولية.

في هذا السياق، فان حكومة نوري المالكي، التي وقعت في أخطاء جسيمة قاتلة، وما زالت تتخبط في مسيرتها، دون أن توفر الحد الأدنى من الضبط في الأوضاع الأمنية المنفلتة في العراق، تتحمل مسؤولية كبرى في مخاطبة الإدارة الأميركية بلغة متماسكة، حريصة على التنوع السياسي.

وعلى وحدة العراق، وصولاً الى الحديث الصريح بشأن ضرورة اقرار وبرمجة الانسحاب الأميركي، وليس الخضوع لاملاءات واشنطن ومندوبها خليل زاد، الذي أصبح يتصرف في العراق كما كان حال «المندوب السامي» زمن الانتدابات والوصاية وغيرها على مناطق بلاد الشام.

وفي هذا الاطار، فإن على حكومة نوري المالكي أيضاً، مغادرة مواقف الانحياز لأي من قوى التشكيلة السياسية العراقية دون غيرها، وحل اشكالاتها الداخلية انطلاقاً من رفض مشاريع الفيدرالية والتقسيم، والتدخلات الخارجية، والإصرار على بناء علاقات ايجابية مع بلدان الجوار، خصوصاً العربية منها كسوريا والأردن.

وعليه، ان لقاءات الرئيس جورج بوش في عمان لم يكن لها أن تبيض ذهباً، وقد يكون ناتجها بيضاً فاسداً في حال استمرار حكومة نوري المالكي في السير وفق خطواتها التي وضعت فيها كل البيض في السلة الأميركية المثقوبة، التي باتت بدورها سلة غير قادرة على تحمل أعباء مرحلة جديدة من الوضع العراقي، لا يستطيع أحد التكهن بأبعادها، وبالمآل الذي سترسو إليه.

ان الملف العراقي، وباليد الأميركية التي تعبث به، وبكل تعرجاته، لا يقل تعقيداً عما آل اليه الملفان الفلسطيني واللبناني من وصول إلى عنق الزجاجة. فالحراك في فلسطين ولبنان يدور الآن كحركة «الأكورديون» بين الطرفين، وهي حركة شديدة التعقيد في نهاية المطاف، ولا تنتج سوى الأزمات الجديدة.

وبالمحصلة، يمكن القول بأن ملف العراق المشتعل يلخص إلى حد كبير ملفات دولية أوسع من دائرة العراق والشرق الأوسط، على ضوء التنافس والصراع الخفي الدائر تحت الطاولة بين الولايات المتحدة وغالبية دول الاتحاد الأوروبي.

فمن موقع السياسة البراغماتية الأوروبية التي تعشق الوقائع وتتجاوب مع متغيراتها، قد أظهرت تطورات ما بعد احتلال بغداد استمرار الضيق الذي أطلقته الحنجرة الأوروبية والدولية بشأن العراق بعد أن استطاعت الولايات المتحدة أن تكرس واقعاً قائماً على الأرض في الشرق الأوسط مع احتلال العراق وفرض السيطرة المطلقة عليه.

فهذا الأمر يزيد من حالة التململ الأوروبي بشكل عام جراء السياسة الاستقطابية الأحادية التي تمارسها واشنطن بشأن بؤر التوتر في العالم وتحديداً منذ انتهاء الحرب الكونية الباردة، وتفردها في محاولة رسم مستقبل السياسات الدولية، ومستقبل الحلول لبؤر الأزمات، وانتهاج سياسة انقلابية أكثر وضوحاً في العلاقات الدولية، فالتململ الأوروبي عكسته نتائج الانتخابات الاسبانية والايطالية، واطلاق برودي صيحته لسحب قوات بلاده من العراق.

ان الاحتلال الأميركي لم يصنع شيئاً في العراق على المستوى السياسي، سوى توليد فريقين سياسيين احتلا صدارة المشهد ويقومان بأداء الأدوار الرئيسية فيه، هما: الاحتلال والمقاومة.

ووراءهما، في خلفية المشهد، مجموعات سياسية مؤلفة من كل التلاوين الفكرية والسياسية، والفواصل بينها عديدة وكبيرة على صعيدي الموقف الوطني والموقف السياسي، أي على صعيد الموقف من الاحتلال والموقف من المقاومة. بينما بقي الثابت الوحيد في الحالة العراقية : جدلية الاحتلال والمقاومة. والجميع في مهب رياح الاحتلال.

كاتب فلسطيني ـ دمشق