من جديد يكرر الأمين العام للأمم المتحدة صرخته، حول خطورة الوضع في العراق. هذه المرة يصف الحال هناك بأنها «أسوأ من حرب أهلية».

وشدد في مقابلة تلفزيونية على الحاجة الماسة إلي بذل الجهود اللازمة؛ لأن الأمور تدهورت بصورة «خطيرة جداً». وكان قبل فترة وجيزة قد تعمد استخدام عبارة «الحرب الأهلية» للتدليل على وصول الأزمة إلى الخطوط الحمر. لكن استغاثته لم تلق ما يكفي من الآذان الصاغية. خاصة في واشنطن. فالرئيس بوش لايزال يكابر ويتشبث برأيه.

معظم الأوساط السياسية والإعلامية في الساحة الأميركية باتت تدعو وتلح على وجوب اعتماد مقاربة مختلفة عن تلك التي اعتمدتها الإدارة حتى الآن؛ والتي ينعقد شبه إجماع على إدراجها في خانة الخطأ والفشل، مع ذلك يواصل الرئيس السباحة ضد التيار، وقبل أيام قليلة كرر مقولته المعروفة:

«سنبقى في العراق طالما أرادت حكومته منا ذلك»!، وأضاف: «نحن باقون لاستكمال المهمة»، وأبعد ما ذهب إليه حتى الآن هو وعده «بتصحيح الوضع»؛ وذلك في ضوء استعراضه لمجموعة خيارات مطروحة أمامه، ووزير دفاعه الذي غادر منصبه مؤخراً، اعترف في مذكرة صادرة قبل يومين من استقالته بأنه بات من المطلوب «إجراء تصحيح رئيسي» في التعاطي مع الوضع العراقي؛ من ضمنه «احتمال القيام بخفض» للقوات هناك.

تقرير لجنة بيكر المتوقع الكشف عنه غداً الأربعاء، يوصي ولو ضمناً، بولوج طريق الانسحاب التدريجي من العراق. هذا عدا المراجع العسكرية المختلفة وفريق واسع من رجال الكونغرس. كافة القراءات والتحليلات والمتابعات تتقاطع عند القناعة بأن سياسة الإدارة في العراق صارت مجبولة بالأخطاء، إلا الرئيس ونائبه، الثاني عاد إلى التأكيد قبل أيام، بأن الإدارة عازمة على المضي بسياستها و«بالسرعة القصوى».

الأخطاء أدت إلى ما انتهى إليه العراق اليوم؛ وبالتالي إلى ما يتهدد مصيره، في الغد وبعده، والاستمرار في المنهج نفسه محكوم بأن يؤدي إلى المزيد من البضاعة ذاتها، وحتى لو حصل «تصحيح» لا يتناول الاعتراف بالخلل وكل ما تسبب به ـ أم أن الرئيس لا يقوى على مثل هذا الاعتراف؛ كما يقول السناتور الديمقراطي كارل ليفين؟ ـ، مع الاستعداد الجاد للرجوع عنه؛ فإن النتيجة تبقى على حالها.

ويبدو، حسب معظم التوقعات الأميركية، أن الرئيس بوش قد لا يقدم على أكثر من تعديلات جانبية على سياسته في العراق. هنا تعود مسؤولية الأطراف العراقية جميعها، إلى وسط دائرة الضوء. فأساس الأزمة الداخلية سياسي؛ كما أكد رئيس الحكومة قبل أيام. كل الجوانب الأخرى تشتق منها. العملية السياسية، عجلتها متعثرة. حتى لا نقول شبه متوقفة.

مساعي مؤتمر المصالحة لم تثمر، وانفلات العنف ساهم في عرقلتها، وربما تجميدها. وقد أدى كل ذلك إلى توسيع مجرى النزيف الدموي، الذي بات يهدد بانسداد الآفاق أمام أية تسوية سياسية مقبولة وقابلة للحياة مرة أخرى، الإدارة الأميركية تبحث عن مخرج من ورطتها في العراق.

الأولوية لديها هي العثور على صيغة تحفظ ماء الوجه. بالمقابل على العراقيين إعطاء الأولوية للبحث عن صيغة تحفظ لهم البلد ولتوظيف كافة الأوراق المتاحة لتحقيق هذا الهدف.