رغم أن دعوات إصلاح التعليم في المنطقة قد بدأت بشكل مبكر إلا أنها ظلت لفترة ليست بقصيرة دعوات تفتقر للدعم السياسي على الواقع وخطوات لا يبدو أنها تأخذ مسارها الصحيح في عموم أقطار المنطقة.

ورغم أني قد شاركت شخصيا في منتصف التسعينات ضمن فريق عمل ضم مجموعة من المختصين والأكاديميين في هذه المنطقة لبحث مسألة واقع ومستقبل التعليم في دول مجلس التعاون برعاية من مكتب التربية العربي، إلا أن بعضا من نتائج هذه الدراسات وتحديدا الخاصة بالموقف الاجتماعي والثقافي لها لم يبدأ الحديث العلني عنها إلا بعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وحتى هذه القضايا المتعلقة بثقل موقع الدين السياسي في هذه البرامج والموقف من الآخر بدت دول المنطقة متلكئة ليس في الأخذ بها وإنما في الاعتراف بكونها قائمة في بنياننا التعليمي بكل زواياه وأجزائه ولربما بعض رموزه البشرية.

وأصبح إصلاح التعليم بفعل معطيات الحرب الدولية على الإرهاب وكأنه نزع للدين عن التعليم أو بالأحرى نزع للتوجهات السيا- دينية المتمفصلة في النظام التعليمي.

وهي مسألة رغم محاولات إصلاحها أو على الأقل الحد منها ما زالت تواجه مشكلات جمة بفعل تراكم التركة من ناحية وتمفصل قوى الإسلام السياسي فيه على أكثر من مستوى وفي أكثر من موقع من ناحية أخرى، أي بتعبير أكثر دقة إمساك قوى الإسلام السياسي بمفاصل أنظمتنا التعليمية بجوانبها المختلفة.

بل بدت أنظمتنا التعليمية وكأن التغيير لا يمكن أن يأتي إليها أو يخترقها أو أنها عاجزة عن مواكبة التغيير أو القبول به كحقيقة تاريخية، وبدا السكون ضارب الأوتاد فيها ومتمكنا من مفاصلها، فكان العجز في أن تُحدث(أي أنظمتنا التعليمية) التغيير في الذات وأن تمثل الآلية الأساسية في اختراق المستقبل.

بل ان هذا النظام بدا معيدا لإنتاج قيم ماضية، ولربما الأخطر من ذلك حاضنا لأفكار وقيم العنف ونبذ الآخر واستهجان التسامح. ونتيجة لذلك فقد أصبح مولدا لظواهر تقود للعنف ولفكر التكفير وبيئة للإرهاب وممارساته.

وقد بدت المنطقة مترددة في حينها بين الأخذ بالضغوط الدولية القائلة بضرورة إصلاح التعليم وتغيير محتوى الكراريس التعليمية وبين ضغط قوى الإسلام السياسي التي لا ترى في ما يقوله الغرب ويفعله بنظامنا التعليمي إلا أحد المداخل الكثيرة للعبث بالهوية وتأصيل التغريب في الأجيال العربية- الإسلامية القادمة، بل ان بعضهم قد رأى فيها تجاسرا على الدين وتطاولا عليه لا يمكن القبول به أو السكوت عنه.

إنها بالطبع إشكالية لا يعبر عنها فحسب من خلال الموقع السياسي لهذه الجماعات في المجتمع وإنما تم التعبير عنها كذلك من خلال الحشد الجماهيري غير العادي الذي ساهمت الأخطاء الاستراتيجية الغربية والأميركية في تأجيجه وفي تأجيل دخول المنطقة العربية بشكل عام، في أي عملية إصلاح حقيقي يصيب بناءها الاقتصادي والسياسي والثقافي.

وبالعودة لقضية إصلاح التعليم فإننا نقول ان أغلب ما يحدث في المنطقة باستثناء بعض المواقع الخليجية المحدودة جدا لا يمكن أن يطلق عليه إصلاح بالمفهوم المتعارف عليه لكلمة الإصلاح، كما بدت في تجارب وعمليات إصلاح التعليم في بعض الدول الغربية وأميركا وبعض دول شرق آسيا في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

إن غياب المكاشفة ولربما الشفافية والمحاسبة المؤسساتية لفترة طويلة ولربما أحيانا أخرى السكوت عن توظيف هذه المؤسسات لأغراض ومرامٍ سياسية خاصة بقوى سياسية وأخرى تضامنيات اجتماعية، ولربما فوق هذا وذاك النظرة غير الجدية للتعليم ليس على المستوى الأفقي العام .

وإنما هي كذلك على المستوى العمودي المؤسساتي ونزوع بعض الرموز المؤسساتية ولربما الذين اتخذوا القرار إلى ما قد يسمى بالإنجاز الإعلامي على صفحات الجرائد ووسائط الاعلام الأخرى عنها الإنجاز على أرض الواقع.

أي أن الخلل إنما يعود في بعض جوانبه لعطب في الموقف الاجتماعي من التعليم عند الشرائح والجماعات المختلفة، كما هو عطب آخر متعلق بنظرة صاحب القرار للتعليم من كونه نسقا ثقافيا لا يمكن أن يتعايش أو أن يتطور ويطور من المجتمع إذا ما بقي نسق فوقي لا يمس عصب الجذر الاجتماعي وشبكة علاقات المجتمع.

إن عملية الإصلاح في التعليم لا تعني فقط إصلاحا في المناهج والكراريس الدراسية ونوع ومستوى القوى البشرية، ليس فحسب تلك العاملة في عملية التمدرس المباشرة، وإنما تشمل كذلك، أي عملية الإصلاح، تلك القوى البشرية المؤثرة في عملية التمدرس من خلال سلطتها الإدارية المباشرة.

وكذلك الرموز والجماعات ذات السلطة الاجتماعية ولربما الدينية المؤثرة فيها بصورة غير مباشرة، والتي بحكم مواقعها المختلفة، تكون قادرة على أن تجعل من صورة في كتاب مدرسي أو رواية دراسية أو كلمة من مدرس في مدرسة نائية قضية اجتماعية وسياسية كبرى.

بل قضية قد تطيح ببعض الرؤوس الإدارية في النظام التعليمي، بمعنى آخر ان عملية إصلاح التعليم لا تعني البتة تمهين التعليم وجعله أداة مربوطة بسوق العمل كما يعتقد البعض، إذ ان ذلك لا يمثل إلا هامشا فرعيا بسيطا من عملية الإصلاح.

وهو فوق هذا وذاك يعني إعادة في بناء المفاهيم والاتجاهات الثقافية بكل جوانبها المختلفة؛ كالموقف من المعرفة ذاتها والموقف من الشغل ووظيفته الاقتصادية والاجتماعية وعمق تشكل قيم المواطنة والتسامح والديمقراطية وحقوق الإنسان وأخلاقيات العمل في الذات المحلية والموقف من الآخر بكل مسمياته وأشكاله المختلفة .

وإعادة تشكيل الموقف من الماضي بما يمثله من أحداث ووقائع ورموز بشرية ومكانة وموقع المستقبل في فعل الحاضر.أي أن عملية إصلاح التعليم ان أريد لها أن تتم بشكلها السليم والصحيح فإن ذلك لا يمكن له أن يكون إلا من خلال مدخلها الثقافي العام.

وبشكل عام فإن الإصلاح التعليمي لا بد أن يتم في إطار وسياق يأخذ في الاعتبار الفضاءات الثقافية المحلية وأن يأتي ذلك معززا للذات المحلية وليس مهمشا لها ومطيحا بكل استثماراتها، ثم ان مثل هذا العمل لا بد من أن يمثل بالنسبة للقائمين عليه ليس فحسب التزاما وظيفيا .

وإنما يمثل تبنيا عقليا لحالة الإصلاح بكل تفاعلاتها وتجلياتها، أي أن يمثل الإصلاح إطارا ومنهجا وهم فكريا للقائمين عليه قبل أن يكون ذلك التزاما بحكم الوظيفية والموقع السياسي.

ان عملية الإصلاح ليست ربطا ميكانيكيا للتعليم بسوق العمل كما أنها ليست كذلك رفضا لمعارف الأساس وتحديدا العلوم الاجتماعية والفلسفية التي من دونها تفقد كل المعارف الأخرى إنسانيتها بل دورها التنموي في أي مجتمع من المجتمعات.

إن المعارف المهنية في الكتب والكراريس ستكون دائما متخلفة عن المتطلبات الفنية لسوق العمل، لذا فإن الحل لا يتمثل في تفعيل هذا الربط وإنما في تطوير نظاما تعليميا تمثل معارفه وقيمه وتوقعاته الأساس في أي توجه مهني مستقبلي للأفراد ودون ذلك سنكون كمن يبحث عن معارف مهنية فقاعية سرعان ما تختفي وتذوب على أرض الواقع بمجيء الجديد عليها.

إن نظامنا التعليمي يعاني من ضعف مركب، لا يمكن تجاوزه بتغيير في الكراريس الدراسية أو تبنٍ لبعض التقنيات الحديثة في التعليم أو القول بإدماج لبعض ذوي الحاجات الخاصة فيه أو بنشر للحواسب في كل أو بعض من مدارسنا الرسمية .

وإنما يتم ذلك بإصلاح مؤسساتي يتجاوز هذا الضعف ولربما يتجاوز الانحيازات العصبية لبعض من كوادره أو المستوين عليه وهو استواء كان من نتيجته كل هذا البلاء وجل هذا الإخفاق الذي تعاني منه المنطقة العربية في عمومها.

وإذا كان المعضل الآني في نظامنا التعليمي يكمن في استواء بعض فصائل الإسلام السياسي على مدخلاته البشرية والمؤسساتية، إلا ان إصلاحه دون شك لا يمكن أن يكون في ظل هذا الاستواء الذي لم تكن عملية التنمية في إطارها العام هدفا له، بل كانت الدواعي والمرامي الايديولوجية والسياسية هي جوهر هذه المرامي والأهداف.

وأخيرا فإن أي عملية إصلاحية في التعليم لا بد أن تكون حاضنة وداعمة لها إرادة سياسية وأخرى مجتمعية ترى في التعليم الأداة في أي انطلاقة مجتمعية جديدة وأي اختراق حقيقي للمستقبل، يراد له أن يتم. دونه سيبقى سياقنا الماضي مشكلا لكل التوقعات وستبقى الأمنيات غير المتحققة أفقنا المرتجى.

فالتعليم رغم أنه الأداة الفاعلة في أي تحول مجتمعي نحو المستقبل، إلا أن ذلك لا يتم إلا من خلال إصلاح هيكلي لحاله القائم تعضد من شأن ذلك، دونها سنبقى نحتفي ونتغنى بالريادة في الماضي التي لن يسعفها ضعفنا على ريادة بحر التغيير أو التبني اللفظي أو المشوه للإصلاح، ويبقى الخاسر في أي محاولة غير جادة للإصلاح هو الوطن بأجياله القادمة.

كاتب بحريني