يبدو أن اللبنانيين قد سنوا طرقاً جديدة في مراسيم الطلاق والزواج غير مسبوقة، خاصة إذا تدخلت السياسة، هذا إذا تذكرنا القول المشهور للرئيس نبيه بري رئيس البرلمان اللبناني قبل أيام وهو في طهران، لقد قال تعليقاً على الفراق بين القوى التي كانت تشكل الحكومة، وخاصة فريقه السياسي (أمل) المتحالف مع (حزب الله) قال معلقا إن «الطلاق قد حصل». وفي السياسة لا بد أن نضيف يحدث طلاق المتحالفين عندما تختلف المصالح، وذلك شيء مقبول ومعقول.

إلا أن المشكلة ليست هنا، المشكلة أن الفريق الذي اختار الطلاق (أساسه حزب الله ومن تبعه من أمل أو المحلل المسيحي الجنرال ميشيل عون) أقاموا تظاهرة كبيرة يوم الجمعة الماضي، وكان المطلب الظاهر لكل هذا الحشد هو «إقامة حكومة وحدة وطنية». يعني بكلام رمزي كما استخدمه رئيس البرلمان هناك رغبة في الزواج من جديد، على أن تكون العصمة هذه المرة في يد الزوجة.

كيف يحدث ذلك، الزوجة لها مطالب قد لا تكون مقبولة من الزوج، فالمعارضة ترغب أن تكون هي الأقلية المتحكمة في شأن كل الأمور العامة للدولة، وترغب في تمييع قضية المحكمة الدولية، وترغب بعد ذلك كله أن تقرر من يأتي إلى قصر بعبدا، مقر رئيس الجمهورية، وهو مربط الخيل وأساس كل الشرور.

فساكن قصر بعبدا بدأت به المشاكل كلها، عندما جدد للرئيس الحالي الجنرال أميل لحود في أواخر عام 2004 وبعدها كرت سبحة الاغتيالات من جهة في الجانب المعارض لذلك التمديد ظاهر أو باطن.

وكان على رأس تلك الاغتيالات اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وبقية القصة معروفة، فقد دخل لبنان في نفق طويل من الأزمات، كان آخرها الحرب التي علقت بين حزب الله وبين إسرائيل، ووقفت الحكومة اللبنانية مشدوهة أمام التدمير الضخم الذي حل بلبنان، أرضاً وإنساناً واقتصاداً.

قضية التمديد لرئيس الجمهورية اللبنانية في تاريخ لبنان كله، هي قضية كثيراً ما أثارت صراعاً طويلاً بين عشاق الكرسي ومناصريهم، إلى درجة انه قيل «كل سياسي ماروني يحلم بالرئاسة» بعض هذا الصراع أدى إلى حروب قصيرة أو طويلة بين اللبنانيين. إلا أن الوضع في الحالة التي نرصدها هو أكبر وأعمق، يشكل الوضع رأس الجبل وليس الجبل نفسه. رواسي الجبل في مكان آخر ربما في دمشق وربما في طهران.

لو قررت الأكثرية اللبنانية اليوم، أي جماعة المستقبل «الحريري وحلفاؤه من المسيحيين والدروز» أن توعز للرئيس السنيورة بالاستقالة. هل تأتي المعارضة لتقول لهذا الفريق عليكم أن تنضموا إلينا بشروطنا في الحكومة الجديدة؟

وان رفض هذا الفريق ذلك، تتعطل الدولة اللبنانية ويضيع ما يسميه اللبنانيون الاستقلال الثاني، أما أن يُنصب الجنرال عون، كما يرغب بلهفة في الُسدة الرئاسية الأولى فان عشمه أقرب من عشم إبليس في دخول الجنة. لا لأن المعارضة له تأتي من مخالفيه السياسيين، وبل تأتي من أطراف أكثرها من حلفائه الحاليين اليوم.

على كل حال يبدو أن الجنرال قد أدمن الخسارة منذ أن طرد من قصر الرئاسة في عام 1990 بعد تحالفه مع صدام حسين. هو فقط يُستخدم الآن سياسياً، وهو استخدام يرضي غرور العسكري فيه، الذي يريد أن يلعب في السياسة على طريقة التكتيك الحربي.

القضية ابعد كثيرا من كل ذلك، تعطيل المحكمة الدولية هدف يحقق الكثير لأكثر من طرف في لبنان وخارج لبنان، فإنشاء وتفعيل تلك المحكمة يعني أن القوى العالمية وصلت إلى الشرق الأوسط من اجل وضع «قواعد جديدة للعبة» وهي قواعد لا تناسب كثيرين في المنطقة، أولا لاحتمال استدعائها مباشرة للوقوف أمام تلك المحكمة الدولية، أو استدعاء عناصر قريبة منها.

وثانيا أن ذلك يخلق سابقة، إذا أضيف لها سابقة محاكمة أول رئيس عربي هو صدام حسين على ما ارتكبه من جرائم، فان «ثقافة المحاكمات» يمكن أن تتوسع في المستقبل، وهو أمر سيدفع المتضررين بكل قواهم الواضحة والمستترة من اجل منعها.

على الجانب الآخر فان عدم خلق بلبلة عميقة في الساحة اللبنانية قد يؤدي إلى أن بعض القوى اللبنانية ان تفرغت إلى الشأن العام، أن تتساءل من هو مُسبب الدمار والخراب في الحرب الأخيرة، من المسؤول عن تلك الخسارة الفادحة؟ فمهمة تغيير الأجندة عن تلك الموضوعات، هي مهمة ترتفع في أولويات أجندة المتسببين، وصرف النظر عنها لا يتحقق إلا بوضع أجندة اقوى منها وتطغى عليها.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد وجد المراقبون سيدة تتحدث على التلفاز اللبناني بعد ظهر يوم الجمعة الماضية، تقول وهي سيدة كبيرة في السن من الجنوب، أن هذه الحكومة «حكومة السنيورة» هي التي هدمت منازلنا في الجنوب.

وشتتت رجالنا وحرمتنا من العيش الكريم! من سمع تلك السيدة، وهي بالتأكيد مُصدقة لما قيل لها، يتبين الأجندة الخفية في الإطاحة بالتساؤل الأكبر وهو من المسؤول عن الحرب المدمرة تلك؟ قول السيدة وأمثالها يجعلك تشك أن من شن الحرب على لبنان هو فؤاد السنيورة وطائراته الحديثة!!

إذا دخلت الأجندة الخارجية، فان الصورة تتضح أكثر، فلا شك أن التحرك جاء بعد لقاء بين رئيس الحكومة العراقية وبين الرئيس الأميركي ليس بعيدا عن بيروت في عمان الأردن، كما أن وزراء خارجية الدول الثماني ومعهم عدد كبير من وزراء خارجية دول شرق أوسطية، اجتمعوا للنظر فيما يعرف بـ «نادي المستقبل».

وهو تجمع من اجل التنمية الديمقراطية، وفي جو سياسي عام يقول إن الولايات المتحدة ليست بصدد الحديث، كما أشيع، مع سوريا أو إيران، لبحث أوضاع الإقليم المتفجرة.

فليس أفضل من الساحة اللبنانية لإحداث ضجيج كبير يلفت الأنظار إلى قوة وفاعليه اللاعبين الإقليميين. وان يكون هذا الضجيج باسم «حكومة وحدة وطنية» يشكل فيه بعض الطيف اللبناني المسيحي القشرة، في هذه الحالة عون وفرنجية، ليظهر الأمر أن القوى اللبنانية كلها متوافقة مع تلك المطالب. والحقيقة التي يعرفها الجميع انه بإزالة القشرة تلك، يظهر أن جميع اللب من طيف واحد غالب عليه لون حزبي واحد لا غير.

حفلة الزواج اللبنانية إذاً يحضرها عرسان كثيرون، إلا أنهم لا يتواجدون في صالة الاحتفال بأنفسهم، هم يتابعون الحفلة من بعيد، مباركين للزوجة طلبها العصمة، مصرين عليها أن تفعل ذلك حتى وان فسد العرس نفسه، إنها بحق حفلة عرس لبنانية بامتياز.

كاتب كويتي