قوة دولية في لبنان.

وقوة دولية في الكونغو.

والآن تدفع الولايات المتحدة مجلس الأمن الدولي في اتجاه إرسال قوة دولية إلى السودان.. وأخرى إلى الصومال.

لكن في الوقت نفسه تقمع واشنطن بشراسة أي مسعى لمجرد اقتراح فكرة إرسال قوة دولية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة لكبح جماح إسرائيل.

إرسال قوة دولية إلى بلد ما ليس أمراً بريئا كما يبدو على ظاهره. فالهدف ينطلق دائما من أجندة سياسية.

على أرض الجنوب اللبناني قوة دولية تحت قيادة فرنسية. ورغم أن اللافتة المرفوعة هي «حفظ السلام» إلا أن الهدف المفضوح هو لجم القوة القتالية للمقاومة اللبنانية المسلحة المتمثلة في «حزب الله» من أجل ضمان حماية إسرائيل. ولذا فإن ما يراد للقوات الدولية هو البقاء لأجل غير مسمى.

في الكونغو أيضا قوة دولية ولكن لهدف مختلف. فهي لا ترابط على خط حدودي بين بلدين كما هو حال القوة التي يتجول جنودها ودباباتها على الأراضي اللبنانية المتاخمة للحدود الإسرائيلية. فالهدف من إرسال قوة دولية إلى الكونغو هو حماية نظام حاكم موالٍ للولايات المتحدة والغرب من معارضة داخلية مسلحة.

ذلك أن بناء نظام الرئيس الكونغولي جوزيف كابيلا يمثل أفضل ضمان للشركات الأميركية والفرنسية والبلجيكية العاملة في صناعة وتجارة المعادن النفيسة في البلاد (اليورانيوم والماس والذهب والنحاس). فالنظام الحاكم يضمن لهذه الشركات امتيازات غير مشروعة كتحويل الأرباح إلى الخارج نظير فتح حسابات مصرفية سرية لكبار المسؤولين وأسرهم.وهكذا تلعب القوة الدولية دور الضامن الأعظم للنظام.

ومنذ بداية الصيف الماضي وحتى اليوم تناضل الولايات المتحدة بشتى الوسائل لإرسال قوة دولية إلى إقليم دارفور السوداني. ورغم أن الهدف المعلن هو ضمان وصول الإغاثات الإنسانية إلى معسكرات النازحين واللاجئين إلا أن التصور الأميركي للمهام العسكرية للقوة المقترحة وطبيعة ومدى التفويض الذي يمنح لها يجعل منها قوة قتالية هجومية بما يوحي أن الهدف الحقيقي هو التحالف مع الحركات المتمردة المسلحة لشن حرب على القوات الحكومية في الإقليم وميليشيات القبائل العربية.

هناك هدف مماثل من وراء السعي الأميركي المحموم لحمل مجلس الأمن الدولي على إرسال قوة دولية قتالية إلى الصومال، ولولا أن الولايات المتحدة لديها ما يكفي من الانتكاسات في كل من العراق وأفغانستان لبادرت إلى إرسال قوة أميركية من وراء ظهر مجلس الأمن.

في الصومال تتعاظم قوة التنظيم الإسلامي الذي يطلق عليه «المحاكم الإسلامية». فبعد أن نجحت القوات الإسلامية في القضاء على عصابات أمراء الحرب وفرضت سيطرة شاملة على وسط البلاد وجنوبها فإن مصير «الحكومة الانتقالية» التي أنشأتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في مدينة بيدوا أصبح الآن في حالة عد تنازلي.وكما في دارفور فإن الهدف الأميركي من وراء القوة الدولية المقترحة هو أن تتولى هذه القوة مهمة القتال ضد القوات الإسلامية.

مع هذا كله ظلت الولايات المتحدة تعارض بشدة فكرة إرسال قوة دولية إلى الأراضي الفلسطينية لحماية الشعب الفلسطيني من الهجمات والتوغلات الإسرائيلية.هذه السياسة الانتقائية المفضوحة هي التي تثير الريبة كلما اقترحت واشنطن إرسال قوة دولية إلى بلد ما.