كل من راقب المظاهرات التي جرت أول من أمس في بيروت، والاعتصام الذي أعلنته المعارضة ودقة التنظيم المرافقة للتظاهر والاعتصام، مع أنه ضم مئات الآلاف، يسترجع ظواهر مماثلة قامت بها قوى الأكثرية اللبنانية من قبل، ويقف عند دقة التنظيم أيضاً والحشد المماثل لما جرى مؤخراً.
والاستنتاج، أن كلا الطرفين يستطيع أن يحشد مؤيدين بالحجم نفسه وبالتنظيم نفسه، وهو ما يمثل قمة الديموقراطية والتمسك بأهدابها واحترام الرأي الآخر.
والتنظيم ودقته يعني أن كل طرف ممسك بجماهيره إلى أقصى حد، من دون أن يغيب عن بالنا أن المشاركين في كلتا الحالتين هم من الجماهير المسيسة الملتزمة إلى أقصى حد بتوجيهات القيادة، مما يعني أن أي حادث يحصل خلال أي من التجمعات هو قرار صادر من أعلى سلطة تتحكم بمسيرة التظاهرات والمتظاهرين.
لقد وصل الصراع على السلطة في لبنان إلى أوجه، وكل طرف ممسك بمواقفه فلا قوى 14 مارس بما تمثله من نسيج من مختلف الطوائف والمذاهب تسعى إلى التنازل، وتتمترس وراء دستورية حكومتها التي استقال منها 6 من الوزراء، ووراء أكثرية نيابية.
ولا قوى المعارضة الأخرى التي تمثل قوى 8 مارس، وهي تضم نسيجاً مماثلاً لقوى الأكثرية من الشعب اللبناني، تتقرب إلى هذه القوى عبر إعطاء تطمينات سياسية، إنها لن تسعى إلى الانقلاب على السلطة وإسقاط الحكومة في لحظة من اللحظات إذا ما أخذت ما بات يسمى "بالثلث المعطل".
الحوار في الشارع وفي الساحات، بات عقيماً ومردوده السلبي ينعكس في أول الأمر على المواطن اللبناني الذي بات منشغلاً بالسياسة أكثر من وظيفته وعمله، وكذلك على الدولة ومؤسساتها التي باتت شبه مشلولة، وتسمح لأطراف خارجية الدخول بسهولة إلى الساحة اللبنانية عبر كافة القوى، وتنفذ سياساتها الدولية والإقليمية والمحلية، مسبغة عليها صبغة الدعم السياسي أو المالي أو كليهما معاً.
الحوار والعودة إلى طاولته، المخرج الوحيد للأزمة اللبنانية، ولكن عبر تنازل الأطراف، لأن ما يحدث الآن سيقود إلى الفوضى والفوضى ستقود إلى دمار لبنان.