ما إن أعلنت المعارضة اللبنانية المعبّرة عن إرادة أغلبية الشعب اللبناني نيّتها التوجه الدستوري السلمي الديمقراطي نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية ممثلة لكل أطياف الشعب اللبناني، ويشارك فيها الجميع، حتى انقضَّ الفريق الآخر السلطوي شاهراً سيفه، رافعاً لافتات لاءاته متمسكاً بجموحه نحو الاستئثار بالسلطة، متخذاً كل ما من شأنه استفزاز المعارضة بما تمثله من أغلبية شعبية واضحة تم التعبير عنها في مسيرة أمس الأول الحاشدة.
لقد بدا واضحاً منذ اللحظة الأولى أن فريق السلطة يبيّت شيئاً ما في هذا الوقت بالذات، أقله الانتقام من المعارضة وحزب الله بالذات بعد الانتصار المدوّي الذي أحرزه على «إسرائيل» في حرب تموز/آب الماضيين، وما انزلق إليه بعض رموز هذا الفريق يؤكد ذلك دون لبس.
بداية تجدر الإشارة إلى أن ما يريده فريق السلطة هو مطلب إسرائيلي، وإذا كان هناك من سيقول: «إن هذا الكلام مزايدة غير مقنعة لأن الشماعة الإسرائيلية لا تصلح في هذه الحال» فيمكن إرجاعهم إلى التصريحات والمواقف الإسرائيلية والأميركية خلال حرب تموز/آب وبُعيدها التي جاهرت بدعم الحكومة اللبنانية، وأشهرها ما نقل عن الرئيس الأميركي من أنه قال لرئيس الوزراء الإسرائيلي أثناء الحرب على لبنان: إفعل ما تراه مناسباً في لبنان ولكن دون إضعاف حكومة السنيورة.
وعليه فمن الطبيعي أن يشكك اللبنانيون بما ينوي فعله رموز فريق السلطة، ولا سيما أن بعضهم له سوابق معروفة في التعامل مع «إسرائيل».
المسألة إذاً ليست كما يحاول تصويرها المتحدثون الدائمون باسم فريق السلطة، الذين يستغلون منابرهم الإعلامية والشاشات الغربية المفتوحة أمامهم لقلب الحقائق، وتزوير الواقع اللبناني، والادعاء أن ما يجري هو خلاف على المحكمة ذات الطابع الدولي.
المسألة هي نزاع بين أغلبية شعبية تريد للبنان أن يكون ممسكاً بزمام أموره وبين أقلية تريد الالتحاق كلياً بالمشروع الأميركي ـ الإسرائيلي، بين أكثرية وقوى وطنية معروفة ومشهود لها تريد مصلحة سائر اللبنانيين وتبحث عن عروبة لبنان ومنعته وبين أقلية تبحث عن زعاماتها واستثماراتها وأنانيتها وارتباطاتها المشبوهة المكشوفة، ومجرد استعراض بسيط لرموز فريق السلطة يؤكد ذلك.
وبناء على ذلك من غير المتوقع أن يكون تحرك المعارضة السلمي الديمقراطي سهلاً، فما أبداه الفريق الآخر حتى الآن مباشرة أو عبر حلفائه يؤكد أنه ماضٍ في برنامجه غير اللبناني، ومنغمس حتى أذنيه في ارتباطات غير بريئة، ومستعد لإشعال فتنة طائفية في نهاية المطاف، وهذا ما حذرت منه المعارضة، ونبّهت إليه، وأكدت أنها لن تنزلق إليه مهما كانت الاستفزازات والافتراءات والتدخلات الخارجية الساعية إلى مثل هذه الفتنة، وأكبر ضامن للمعارضة، أنها تملك أغلبية الشارع، وتملك التصميم على التعبير السلمي.