تعتبر روسيا الاتحادية من أكبر مصدري العلماء في العالم، بما في ذلك خبراء الكمبيوتر وتقنيو الاتصالات والالكترونيات، لكن ذلك عمل على استنزاف الكفاءات عالية المستوى وأسهم في عرقلة جهود التنمية التي تطمح الدولة الروسية لتحقيقها لمواجهة احتياجات الكم الهائل من السكان.

وصل بوتين إلى رئاسة الحكومة الروسية وفي نشوة انتصار حزب الدب في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، بدأ عمله الذي يعتبر من أصعب المهمات، ولا شك أن استلام زمام الأمور والمسؤوليات المتعددة لاقتصاد عانى من عجز مستقر في فترة التسعينات، وتنوع المشاكل، هي مهمة غاية في الدقة والصعوبة.

بدأت الانطلاقة للاقتصاد بالنظرية التي صيغت، والتي استندت إلى ركيزتين أساسيتين هما: تكامل جهود القطاع العام مع تطور القطاع الخاص، والتخطيط الاقتصادي الشامل.

وكانت هذه النظرية هي الحل الوحيد بعد خروج يلتسين ومن معه من الاليغارشية اليهودية من الكرملين. ذلك أن الدولة وحدها كانت تمتلك القدرة على تعبئة الموارد الضرورية لإرساء الأسس اللازمة في عملية التنمية.

لقد ساهم بوتين في خلق وإعادة ما يسمى بالتواصل الحضاري بين الشرق والغرب بشكل عام وبين روسيا والعرب بشكل خاص، ولكنه كان تواصلاً مفروضاً يخضع لظروف المسلمين الروس، ومن حيث المبدأ المعروف أن يلتسين قد ترك روسيا تحت وطأة عدد كبير من المشاكل السياسية الداخلية والحدودية والاقتصادية.

كما نجح بوتين في خلق قاعدة صناعية واسعة ومتنوعة، وظلت النظرية الاقتصادية المحلية التي اتبعها تعمل بكفاءة، واستطاع تحقيق قدر معقول من الحرية للاقتصاد الوطني في مواجهة التبعية الخارجية، ويرى الكثيرون أن الفضل في ذلك أيضاً يعود إلى ما كانت تتمتع به المجموعة المساعدة لبوتين من رؤية للتحديث، مما ساهم، في صعوبة الظروف، بتوظيف مثالي لموارد الدولة المتاحة.

وقد أخذ على هذه النظرية أنها اعتبرت سد حاجات السوق المحلية وتطبيق سياسة تلبية الحاجات الملحة سقفاً لأهدافها، ولم تتجاوز ذلك إلى العمل على تحضير جميع القطاعات للانطلاق بعملية التصدير، ذلك أن هذا الخلل في تسقيف الخطط التنموية ضمن الحدود الإقليمية يسبب عزلة تقنية يدفع ثمنها على مراحل، وقد قفزت الصناعة فوق هذا الحاجز قبل بداية العام الماضي.

وبوتين على دراية واسعة بما تتطلبه هذه المرحلة من جهود، فبدأ بإعداد دراسات جديدة حول عملية إعادة هيكلة دور القطاع العام، خصوصاً أن روسيا بدأت بتوسيع نوافذ التصدير، وقد ساعد الاستقرار السياسي والاجتماعي في عهده في رصد الاستثمارات الجديدة من الدول الأوروبية والمجاورة، وقد وجد أن الاهتمام بالسلام يشكل دافعاً كبيراً لتشجيع الاستثمارات.

وتستطيع روسيا أن تستقطب السياح من كل حدب وصوب، بسبب تحسين شروط الاستثمار السياحي، ورفع سوية الإعلام السياحي حسب الدراسات، لجذب أكبر عدد ممكن من رؤوس الأموال الدائمة والمؤقتة على اختلاف حجومها، خصوصاً وأن روسيا تشكل قارة لما تمتلكه من تنوع في الأنماط والعقائد الإنسانية.

لقد أجمعت جميع القوى السياسية الروسية على ضرورة الإسراع في عملية الإصلاح الاقتصادي، وأعلنت ذلك منذ أن تسلم بوتين السلطة، التزامها بالاستمرار فيه باعتباره السياسة الرسمية للدولة، ولا رجعة عنه، وصدر قانون حق التملك للأجانب في مشاريع الطرق والسياحة والصناعات النفطية وتوليد الطاقة تشجيعاً للاستثمارات الخارجية، وبدأ تطور أداء الاقتصاد الروسي يظهر بوضوح بعد تسلم بوتين السلطة 2002، وتشير التقارير أن روسيا حققت احتياطاً في الزراعة، وطفرة إنتاجية في الصناعة.

سارت روسيا في عهد بوتين على طريق الإصلاح الاقتصادي خطوات ثابتة، وتمكنت من ضبط ديونها الخارجية وزادت احتياطها من النقد الأجنبي، وبدأت ملامح الاستقرار المالي بالظهور. وذلك من خلال تحسين معدلات التنمية البشرية التي تضعها الحكومة ضمن الأولويات.

إن مهمة الإصلاح الاقتصادي في روسيا مهمة شاقة وصعبة للغاية، ولكن بوادر التحسن تظهر بشكل واضح كلما تجاوزت روسيا مرحلة من مراحل التخطيط الشامل الذي يخضع للتعديل والدراسة الدقيقة باستمرار.

وقد وجدت الحكومة أن الصناعة هي ركن التطور الاقتصادي وزيادة معدلات التنمية، لذلك فهي تصب اهتمامها على تطوير القطاع الصناعي بجوانبه جميعها، لرفع مستوى الإنتاجية من أجل تحقيق الأهداف المستقبلية للشعب الروسي.