شكلت القارة الأميركية اللاتينية خلال هذا العام ساحة معارك سياسية مفتوحة ضد نفوذ الولايات المتحدة الأميركية الاقتصادي والعسكري في هذه المنطقة. في منتصف نوفمبر الماضي حسمت معركة غاية في الأهمية عندما فاز دانييل أورتيغا ليعود رئيساً لنيكاراغوا. وقبل أيام حسمت في الأكوادور المعركة الأخيرة قبل حلول الملحمة الفاصلة التي جرت أمس، 3 ديسمبر، في فنزويلا.
في 27 نوفمبر الماضي أعلنت النتائج الأولية للجولة الثانية للانتخابات الرئاسية في الإكوادور. وبموجبها سوف يصبح روفائيل كورريا الرئيس القادم لهذا البلد. كان نجم كورريا قد سطع خلال مئة وستين يوماً من العام الماضي حيث كان وزيراً للمالية.
هذا الاقتصادي الشاب، اليساري التفكير، الذي تعلم في أوروبا وأميركا وعد فور توليه الوزارة أنه سيعيد النظر في كل العقود المبرمة مع شركات النفط الأجنبية وسيرفض دفع الدين الخارجي غير القانوني المترتب على الإكوادور والبالغ 10 مليارات دولار. لكنه سرعان ما أقيل من منصبه بسبب هذه المواقف الجريئة. غادر الوزارة لكنه سكن قلوب الفقراء الإكوادوريين الذين يشكلون 75% من سكان البلاد البالغ عددهم 14 مليون نسمة.
وفي المعارك الانتخابية التي أوصلته إلى الرئاسة هذه المرة وعد كورريا بتحويل الإكوادور إلى جمهورية أخرى ذات سلطة رئاسية قوية كفنزويلا التي يذهب معظم إنفاق عائدات النفط فيها إلى تلبية الحاجات الاجتماعية. ولا غرو، فهو صديق الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز. وبانتصاره أحرزت جبهة القادة اليساريين نصراً جديداً على واشنطن.
هذا النصر يعزز بدوره الثقة في انتصار شافيز في الانتخابات الرئاسية الفنزويلية التي قد تكون حسمت يوم أمس، بالضبط كما كان كورريا واثقاً من النصر حيث أعلن تشكيل حكومته حتى قبل ظهور النتائج. «سيحتل ريكاردو باتينيو منصب وزير الاقتصاد وألبرتو أكوستا وزير الطاقة وجانيت سانتشيز وزيرة الشؤون الاجتماعية» كما قال كورريا لممثلي الإعلام في أول مؤتمر صحافي له بعد انتهاء الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية.
وقال ان رئيس شركة النفط الإكوادورية «بتروإكوادور» التابعة للدولة سيكون كارلوس باريخا. وهذا الأخير معروف أيضاً بميوله اليسارية والمناهضة للنفوذ الأميركي في بلاده وقارته. وتأتي أهمية تعيينه في أن الإكوادور هي خامس أكبر بلد منتج ومصدر للنفط في أميركا اللاتينية. ويبلغ إنتاجها السنوي منه 16 مليون طن (540 ألف ب/ي)، يصدر 70% منها إلى الولايات المتحدة الأميركية. ويشكل النفط 40% من صادرات الإكوادور.
وقد صرح مرشح الرئاسة أن بلاده ستعود من جديد عضواً في منظمة الأقطار المنتجة والمصدرة للنفط «أوبك». ويعتبر ان خروج الإكوادور من هذه المنظمة في ديسمبر 1992 كان خطأ.
ولا شك أن عودة الإكوادور واحتمال دخول بلدين آخرين إلى عضوية أوبك سيشد من عضد هذا الكارتيل النفطي ما جعل وكالة الطاقة الدولية تبدي قلقاً من أن ذلك سيؤثر سلباً على أسواق الطاقة العالمية! وبهذا يقدم اليسار في أميركا اللاتينية هديته الثمينة لبلدان أوبك، بما فيها بلداننا الخليجية. وأكد كورريا من جديد موقفه الثابت من أنه لن يوقع مع الولايات المتحدة الأميركية اتفاقية التجارة الحرة.
أما ألفارو نبوويا الذي خسر الانتخابات فيمثل نقيض كورريا تماماً. في عام 1994 ورث عن أبيه إمبراطورية اقتصادية تعدادها 110 مؤسسات. وقد ضاعف ثروات العائلة عن طريق تجارة الموز الذي يعتبر ثروة الإكوادور الطبيعية الثانية بعد النفط. وبجمل منمقة وعد أولغاركي الموز أنه سيتخلى عن جزء من ملايينه الكثيرة ليؤمن للناس سكناً رخيصاً.
لكن الجماهير، وحكماً على مجمل الأمور، تدرك بحسها العفوي أن القول والفعل لدى روفائيل كورريا لن يفترقان بعكس ما هو الحال مع غريمه ألفارو نبوويا. لقد كان الملياردير يستطيع تحقيق وعوده دون أن يكون رئيساً، بينما لا يستطيع الثوري تحقيقها إلا بعد أن يصبح رئيساً.
الفارق الجوهري الآخر والمهم بين المرشحين كان الموقف من الولايات المتحدة الأميركية. كورريا كصديقه شافيز كثيراً ما يسخر من الرئيس الأميركي بوش مستخدماً نعته له بـ «الأبله»، ويعد بطرد العسكريين الأميركيين من قاعدة مانتيو ورفضه توقيع اتفاقية الدخول في عضوية رابطة التجارة الحرة التي تقترحها واشنطن. ألفارو نبوويا، بالعكس من ذلك، لا يحب شافيز بالمرة لدرجة أنه اقترح قطع العلاقات الدبلوماسية مع فنزويلا، وكذلك مع كوبا وبوليفيا.
قال كورريا انه سينشئ جمعية وطنية مدعوة لإعادة كتابة الدستور، وأنه ربما يقدم على حل الكونغرس الذي تتبع غالبيته لمنافسه ألفارو نبوويا. الأخير ادعى أن كورريا سيقيم في الإكوادور دكتاتورية يكون حلفاؤها الأقرب فنزويلا وكوبا الشيوعية، بينما يقول كورريا عن نفسه انه رئيس العمال والفقراء وأنه لا يبتغي غير خدمة الشعب.
حسب النتائج الأولية للجولة الثانية حصل كورريا ذو الثلاثة والأربعين عاماً على 57% من الأصوات، وغريمه المحافظ ألفارو نبوويا (56 عاماً) على 43% فقط. قد تختلف النتائج النهائية قليلاً، لكنها لن تغير من حقيقة أن اليسار الإكوادوري قد انتصر.
في الجولة الأولى جاء كورريا الثاني بعد نبوويا.
أما في الجولة الثانية فقد استخدم باقتدار أموراً ثلاثة مهمة. أولاً، النساء. فإذا كانت النساء في انتخابات البحرين الأخيرة، مثلاً، ترجح مرشحاً على آخر بتسيير من الرجال، ففي الأكوادور بدت غالبية النساء متيمات بأداء رجل واحد هو كورريا، خصوصاً قبيل الجولة الثانية. ثانياً، خاطب كورريا الطبقة المتوسطة بلهجة أخف، لكنها لا تقل مبدئية فيما يتعلق بأميركا.
فقال انه يريد أن يقيم «أفضل علاقات ممكنة مع الولايات المتحدة الأميركية»، مضيفاً أنه ليس الوحيد الذي يتهكم على الرئيس الأميركي «بل وملايين الأميركيين أيضاً»، ملمحاً إلى هزيمة الجمهوريين في انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين. ثالثاً، حاول أيضاً التملص من تهمة صداقته مع شافيز: «نعم، أنا صديق الرئيس شافيز، لكننا لم نلتق منذ خمسة أشهر».
تبقى الصفة الوحيدة المشتركة بين كورريا ونبوويا هي الشجاعة والتفاؤل اللذين لا تشوبهما شائبة. يكفي أن نعرف أن الإكوادور شهدت إطاحة ثلاثة رؤساء خلال السنوات السبع الماضية.
كاتب بحريني
ajnoaimi@gmail.com