كلما حاول المراقب للمشهد السياسي الفلسطيني النأي بنفسه عن انتقاد رموز السلطة الفلسطينية،عادت هذه الرموز لتدخله من جديد إلى دائرة الاستغراب والذهول من خلال ما تبديه من مواقف سياسية لا طعم لها خارج إطار إرضاء الطرف الأميركي كلما لوح هذا بجزرة سراب التسوية.

سجل هذا المسلك مرتين في الآونة الأخيرة،الأولى كانت عشية زيارة رئيس السلطة إلى واشنطن للقاء بوش عندما أعلن عن تجميد الحوار مع حماس حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية والآن وأثناء زيارة رايس إلى أريحا،قدم السيد عباس مجدداً هديته المعتادة للعم سام معلناً أن الطريق بات مسدوداً في وجه تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق وفي هذه الآونة وكل آونة هو ما الذي تريده هذه السلطة؟ ومن تمثل حقاً ؟ والى أي جحيم تحاول أن تسير بالشعب الفلسطيني؟

ثم ماذا عن الشروط والطلبات والذرائع، التي تضعها على طاولة حوار الطرشان الدائر حصرياً مع ممثلي حركة حماس في الداخل والخارج على حد سواء وهل هي فلسطينية الهوية حقاً أم لا تلعب سوى دور المراسل،الذي يعمل لدى الدوائر الصهيو ـ أميركية في المنطقة وتنقل شروط وإملاءات هذه الدوائر بأمانة متناهية، في ظل عملية اصطفاف سياسية آخذة بالتبلور بقوة في المشرق العربي تحتل الولايات المتحدة موقع القلب النابض فيها بالنسبة لبقية الأطراف المتحالفة معها في المنطقة.

لم تعد مجرد صدفة أن تتوالى اجتماعات مشتركة بين عدة دول عربية برئاسة الولايات المتحدة وبين هذه ورموز السلطة الفلسطينية بصورة متكررة وربما دورية تذكرنا بالاجتماعات الدورية التي اشتهرت بها الأحزاب التقليدية في الزمن الغابر.

كما أنه لم يعد خافيا على أحد أن هدف تلك الاجتماعات هو بلورة حلف من المعتدلين العرب سقفه السياسي تسوية مجتزأة على الطريقة الأميركية، فضلا عن ترتيب أوراق اللعبة هنا وفق منظور المصالح الأميركية.

وفي حين تبذل الدولة العبرية كل ما بوسعها للنأي بنفسها عن أي مبادرات سياسية تطرح هنا وهناك بهدف الانفراد بالفلسطينيين وتصفية قضيتهم، خصوصا بعد أن سجل فراغ أمني وسياسي جراء طي صفحة ما عرف باسم خطة الانطواء فضلا عن التراجع نهائيا عن خطة خريطة الطريق.

فإنها في المقابل لا تغفل عينها لحظة عن تسجيل الأهداف على أرض الواقع من خلال مواصلة سياسة الاستيطان والعدوان وبناء الجدار والقتل والاعتقال في محاولة منها لطمس الحقيقة الجغرافية والديمغرافية التاريخية تمهيدا لتوجيه الضربة القاضية وقضم آخر ما تبقى من حقوق الشعب الفلسطيني.

والغريب في هذا المشهد هو تلك النخوة التي تصيب عدواها الجميع حين تقع الدولة العبرية في مأزق ما والأغرب من ذلك هو أن يتصدر بعض الفلسطينيين قائمة أصحاب المروءة العتيدة تلك، فنحن لا ندري، على سبيل المثال، بين من وأين وقعت الهدنة الفلسطينية الإسرائيلية التي تم الإعلان عنها والالتزام بها مؤخرا وهل كانت هذه الهدنة محور تحركات بعض الأطراف العربية والفلسطينية الأخيرة والتي شملت كلا من دمشق والقاهرة وتل أبيب ورام الله وغزة؟

وهل كان عمل رجل المخابرات المصري الأول مقتصرا على التوصل إلى تلك الهدنة فقط والتي تحتل قضية إطلاق سراح الأسير الإسرائيلي جلعاد شاليط موقع الصدارة فيها؟ وهل نسي الجميع أن هناك شعباً بأسره في الأسر يتلقى ضربات متتالية من محتل تسيطر على مخيلته الفردية والجمعية هواجس تلمودية مغمسة بالدم.

إذا أراد الفلسطينيون أن تصل سفينتهم إلى بر الأمان،فإن أول ما يتعين عليهم القيام به هو النأي بأنفسهم عن أي حالة من حالات الاستقطاب الإقليمي القائمة على قدم وساق في المنطقة العربية، لأن الفلسطينيين سيبدون لاعبين صغاراً في هذه المعادلة وسيبقى صوتهم ضعيفاً وكلمتهم غير مسموعة، ما دامت حكومتهم الوطنية العتيدة لم تشكل بعد.

وهنا لابد من التذكير بضرورة التوقف عن سياسة مضيعة الوقت والتلهي بخلافات حول هذه الحقيبة الوزارية أو تلك. وبأن الأزمة الداخلية الفلسطينية لن تجد طريقها إلى الحل ما دام الهم الأساسي يتمحور حول حقائب وزارية لا معنى لها في ظل الاحتلال.

وليس حول برنامج سياسي وطني شامل، ناهيك عن أنه لا جدوى من سياسة فرض شروط لا طائل لأي طرف فلسطيني على تقديمها للآخر في ظل حقيقة أن الجميع واقع تحت الاحتلال، مثل رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني والإفراج عن الأموال وإطلاق سراح الأسرى...... الخ.

لكن الحقيقة المؤسفة هي أن هناك جهات فلسطينية باتت متخصصة وبارعة في فبركة الأزمات والمشكلات الداخلية، التي لا تهدف إلا إلى وضع العصي في عجلة كل ما يمت بصلة إلى العمل الوطني المشترك وفي هذا السياق يأتي اجتماع م.ت.ف في رام الله مؤخرا .

والذي طرح فيه رئيس السلطة خيارات ثلاثة هي إما حل الحكومة الفلسطينية الحالية وإما إجراء استفتاء شعبي وإما الدعوة إلى انتخابات مبكرة، مع أن جميع هذه الخيارات الفتحاوية لا تعني سوى الصدام مع حركة حماس .

وهذا ما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل بالضبط وذلك لضمان استمرار النزيف الفلسطيني الداخلي، فهذا الكلام إنما هو دعوة حقيقية للفتنة وينم عن احتقار كبير لرأي الغالبية في الشارع الفلسطيني التي أنجبت الحكومة الحالية من خلال صناديق اقتراع.

لنرأف بهذا الشعب قليلا ولندعه يمارس حقه في التعبير عن رأيه ولنرفع يد الوصاية الفئوية البغيضة عنه، فلا شك أنه بلغ من النضوج ما يتخطى كل مستويات النضوج السياسية التي بلغتها مجموع الفصائل الفلسطينية ولا سيما تلك التي شاخت منها.