قبل أسبوعين، نشرت صحيفة «الشرق الأوسط» تقريرا حول انتشار طريقة غريبة في أداء صلاة تُسمى «صلاة القبر» على أيدي معلمات في إحدى الدول الخليجية يقمن بتعليم طالباتهن في مدارس البنات من الفئات العمرية المختلفة كيفية أداء تلك الصلاة.
يوضح التقرير أن (صلاة القبر) تستلزم اللجوء إلى زاوية في غرفة مظلمة واستحضار وحشة القبر، عبر أداء ركعتين أو أكثر بعد منتصف الليل في جو يقارب أجواء القبور بهدف تدريب النفس على استرجاع الشعور بالهيبة والخوف والخشوع لله تعالى أثناء أدائهن للصلوات المفروضة والنوافل.
وتُعلل إحدى المدرسات لجوءها إلى هذه الصلاة بأنها شعرت بأن صلواتها افتقدت الخشوع والاطمئنان لكونها تؤديها بحكم العادة، بينما تفسر مدرسة أخرى هذه الصلاة بأنها علاج روحي أو دواء، وتؤكد مدرسة ثالثة أن بعض مجالس الذكر النسائية يتناصحن بها وأن بعض المتشددات يخصصن في منزلهن حجرة خاصة مظلمة وموحشة لأداء هذه الصلاة وهن يتذكرن الموت وعذابه، وتضيف أن بعض المعلمات يحاولن مناصحة طالباتهن بها سواء أثناء الدرس أو خارجه ويروجن لها بحجة أن أسلوب (التخويف) هو الأسلوب الأفضل في التعامل مع المراهقات.
ولا يكتفي التقرير بذلك، بل يشير إلى ظاهرة أخرى بدأت في الانتشار في مدارس البنات، وهي تعليم (الصغيرات) طرق غسل وتكفين الميت وتصوير أهوال عذاب القبر والجحيم عبر محاضرات (دعوية) تقدمها داعيات ومغسلات موتى تستضيفهن تلك المدارس لتقديم تجارب عملية أمام الطالبات.
التساؤلات المطروحة كثيرة: تُرى ما ذنب هؤلاء الطالبات حتى نزرع في قلوبهن المخاوف والوساوس؟ وبأي حق تستبيح المعلمات فرض قناعاتهن على تلك النفوس البريئة؟ وبأي معيار تربوي تقرر المعلمات أن أسلوب (التخويف) هو الأجدى مع المراهقات؟
الكاتب السعودي محمد صادق دياب، انتبه إلى خطورة انتشار هذه الطريقة الغريبة وإمكانية انتقالها عبر (المنهج الخفي) إلى الصغيرات وعلّق عليها قائلاً: «من أجل صحة صغارنا النفسية ورحمة بهم، كم نحن بحاجة إلى تنقية فصولنا الدراسية من شوائب الاجتهادات غير التربوية، الصغار بحاجة إلى نمو متوازن يضيء دواخلهم بالأمل ويعالج خوفهم بالرجاء.
لماذا نملأ قلوب أولادنا وبناتنا كآبة وكراهية للحياة؟، لماذا نزيدهم توتراً وقلقاً؟ شباب العالم شرقاً وغرباً يقبلون على الحياة وينعمون بها ويسعدون من حولهم، يعملون وينتجون، ومعلماتنا يتفنن في تعليم تلميذاتهن كراهية الحياة والأنس بالموت، لماذا السعي ـ دائماً لمحاصرة الأنثى في مجتمعاتنا؟ لماذا نريد قتل الأمل والفرح في نفوسهن؟، لماذا تخاف مجتمعاتنا من الأنثى؟
لماذا سوء الظن بها دائماً؟ ألا يكفي ما تتعرض له الأثنى من صنوف المعاناة المستمرة من يوم مولدها وحتى مماتها من عنف وتمييز وتسلط وتحكم من قبل الأب والأم والأخ والزوج وسائر الأوصياء حتى تزيد المعلمات بؤسهن؟
هلا تساءل المسؤولون والمسؤولات عن مدارس البنات: ما حاجة الصغيرات إلى تعلم طرق غسل وتكفين الميت؟ ولماذا التركيز دائماً على الترهيب والتخويف والتشديد في أسلوب التربية؟
لماذا ترتبط الأنوثة في تفكيرنا وثقافتنا وتعليمنا وخطابنا الديني ـ دائماً ـ بالصفات السلبية على امتداد التاريخ إلى يومنا، اقرأ للإمام (أبو حامد الغزالي) في كتابه المشهور (إحياء علوم الدين) كل ما هو سلبي عن المرأة ـ حقائق مسلمة ـ فهو ـ رحمه الله ـ يحذر الرجل من الاستماع للمرأة أو مشاورتها، وإذا شاورها، عمل بخلاف رأيها لأن (خلافهن بركة) وكيد النساء عظيم.
وسوء الخلق وركاكة العقل من صفاتهن، وأنت إذا أكرمت المرأة أهانتك وإذا أهنتها أكرمتك وذلك لاعوجاج طبعها، وقد يدافع أحدهم عن الإمام فيقول إن الغزالي يقصد بعض النساء المنحرفات، ولكن الإمام الغزالي لا يترك مجالاً لذلك إذ يبادر فيقول: بل المرأة الصالحة فيهن كمثل الغراب الأعصم بين مئة غراب، ويضيف الإمام الغزالي:
«إن للمرأة عشر عورات، فإذا تزوجت، ستر الزوج عورة واحدة، حتى إذا ماتت ستر القبر العورات الباقية» ج2 ص24، ولكن مهما اختلفنا مع الإمام في نظرته السلبية وقلنا إنها تجافي نظرة الإسلام الصحيحة إلا أنه قد يعذر، لأن نظرته تلك إنما تمثل نظرة وثقافة عصر بأكمله والقضية في النهاية أمن عصره وثقافته.
ولم تكن للمرأة أية مساهمة مجتمعية نافعة وكانت محرومة من كل علم نافع لكن المرأة تساهم في تنمية مجتمعها الآن فلماذا تحاول المعلمات حبس طالباتهن في سجن من المخاوف والترهيب والقمع، وكيف يصبحن أمهات قادرات على إحسان التربية وقد زرع في قلوبهن الخوف؟
كثيراً ما نلوم أبناءنا الذين اتخذوا العنف الأقصى أسلوباً في تقويم ما يظنونه اعوجاجاً مجتمعياً، استهانوا بالحياة وتحولوا قنابل بشرية مدمرة، هلا تساءلنا ما الذي دفعهم لذلك؟ إنها كراهية الحياة، وهؤلاء هم ضحايا لأمهات زرع في قلوبهن كراهية الحياة.
إن أولادنا الذين اندفعوا للموت ـ سراعاً ـ فراراً من حياة بائسة، فعلوا ذلك لأننا لم نفلح في أن نجعل الحياة أمامهم مكاناً جميلاً يستحق العيش، لم نحببهم في الحياة وزينتها، صورنا الحياة سجناً والأوضاع بؤساً ومظاهر الحضارة معاصي وذنوباً والعالم مؤامرة وعداوة، وملأنا نفوسهم كراهية وتوتراً، فخسرناهم وخسروا أنفسهم لأننا أساساً لم نحسن التعامل مع الأنثى مصدر الحياة ومنبع الحنان.
الأم التعيسة تعني عائلة تعيسة وهي بدورها تشكل مجتمعاً تعيساً، إننا بحاجة إلى إعادة النظر في مناهجنا وأسلوب تدريس مدرسينا ومدرساتنا، إننا بحاجة إلى بث الأمل والفرح وحب الحياة في نفوس طلابنا، يكفي ما يعانونه من مرارات الواقع وخطايا الكبار وسوء الأوضاع ومنغصات الحياة الضاغطة على نفوسهم الغضة البريئة، ديننا دين الأمل والفرح وحب الحياة وبهجتها، وقرآننا مع التمتع بالنعم والابتهاج بالحياة وزينتها، ورسولنا بعث رحمة وأملاً وبشارة للناس كافة فلماذا نزرع البؤس والكآبة في مجتمعاتنا؟ لماذا نزيد مجتمعاتنا هموماً؟ لماذا أسلوب الهم والغم؟
كاتب قطري