نشرت صحيفة «البيان» في عدد يوم الجمعة الماضي الموافق الأول من ديسمبر 2006 في صفحتها الأخيرة خبراً حول ما يسمى بمصادرة أو قتل العقول العراقية.

ركز الخبر على تزايد أحداث الاختطاف والقتل للأكاديميين والأطباء، وكل حملة الشهادات العليا من أبناء العراق، وعلى كيف أن مثل هذه العمليات تعمل، وعلى ما يبدو بشكل منظم ومقصود، على ضرب البنية التحتية العراقية، ليس فقط في الجانب المادي ولكن أيضاً في الجانب البشري.

وذلك حتى لا يعود العراق قادراً على النهوض أبداً. فمنذ بدء الاحتلال في سنة 2003 وحتى اليوم، هنالك ما يقارب الثلاثمئة أكاديمي، من النساء والرجال على حد سواء، تم خطفهم وقتلهم بدم بارد وفي ظل الاحتلال الأميركي والبريطاني؛ وأن ما يقارب ال200 من الجامعيين البارزين (العاملين في الحقل الجامعي) تم اغتيالهم في الأعوام الثلاثة الماضية، وكل من لم يذبح منهم فهو إما عرضة للاختطاف أو الإرغام على ترك البلد.

فهناك، كما يقول أحد الأكاديميين العراقيين، بعبارة صريحة حالة استنزاف منظمة ومقصودة لمثقفي وعلماء العراق، بحيث لا يتمكن العراق مستقبلاً من أن يعوضها لعشرات سنين مقبلة.

يقول الأستاذ الدكتور خالد الجودي عميد جامعة بغداد قبل اغتياله على يد مجموعة من المسلحين وهو في طريقه للمشاركة في حفل تخرج في جامعته: «الدولة العراقية غير قادرة على حماية نفسها، فكيف ستتمكن من حماية علمائها ومثقفيها».

ولم يمر الكثير على تصريح الدكتور خالد حتى تمت مهاجمته من قبل مجموعة من المسلحين كانوا يركبون سيارة ذات دفع رباعي أميركية ويحملون في أيديهم أسلحة أميركية الصنع، كما يصفهم حارسه الشخصي، ويبدو من طريقة حملهم وإدارتهم للسلاح أنهم مدربون تدريباً عسكرياً عالياً، أو أنهم من الجنود السابقين الذين يعملون الآن في شركات الأمن الأجنبية.

ويضيف الحارس قائلاً: يبدو من أشكالهم أنهم إما من جنوب إفريقيا أو من بريطانيا. وربما يتساءل القارئ لماذا جنوب إفريقيا بالذات! ذلك لأن معظم شركات الأمن الأجنبية التي تعاقدت معها البنتاغون تستخدم مقاتلين من الأنظمة العنصرية السابقة، أو المعاصرة، مثل إسرائيل وغيرها من البلاد ذات الأنظمة الديكتاتورية أو العنصرية.

وتشير المعلومات إلى أن هناك ما يقارب الخمسين ألف (000,50) مرتزق يعملون اليوم في العراق وأنهم يقبضون على عملهم هذا ما يقارب الألف دولار يومياً، أي حوالي 528 جنيهاً إسترلينياً، وجميعهم يعيشون في منطقة خارج نطاق سيطرة السلطة العراقية، وذلك بناءً على آخر قرار للحاكم السابق في العراق بول بريمر.

لقد نجح الحصار الذي دام ثلاث عشرة سنة على العراق في إفراغ أرض الرافدين من الكثير من علمائها ومثقفيها وفنانيها الذين فروا لدول أخرى بحثاً عن فرص معيشية وعلمية وبحثية أفضل، واليوم تأتي سيناريوهات الخطف والاغتيال لتكمل عملية استنزاف العقل العراقي وإفراغ العراق من طبقته المتعلمة والمفكرة التي قد تقوده للمقاومة الحقة من أجل عراق واحد.

والتي قد تعمل من أجل إقرار السلام والاستقرار في العراق من جديد. إن ما نسمع عنه اليوم في العراق حول ما يتعرض له الأكاديميون والمثقفون أمر مخيف ومرعب، فمنهم من يقتل بشكل مخطط له ومقصود على يد المرتزقة، ومنهم من يسحب من بيته أو من مكان عمله بالقوة ويتعرض للتعذيب والإهانة.

والتي عادة ما تنتهي بالقتل، ومنهم من تنصب له الكمائن ويختفي تماماً عن الوجود، ثم بعد ذلك بفترة طويلة كانت أم قصيرة توجد جثثهم ملقاة خارج المشارح أو في مقالب القمامة، ومن كان محظوظاً منهم وجد من يدفنه من فاعلي الخير في أقرب مقبرة سنية كانت أم شيعية أم مسيحية.

أفعال التصفية هذه والموجهة ضد العقل العراقي لا تستثني أحداً، غير أنها، وفي نفس الوقت تركز بشكل أكبر على بعض التخصصات دون غيرها، فعلى سبيل المثال، كما يقول الصحافي روبرت فيسك في أحد مقالاته عن نفس الموضوع، مستشهداً بتصريحات هيئة أساتذة الجامعات العراقية، انه يتم التركيز على الخبراء والأكاديميين المتخصصين في مجال الزراعة والتربة، ممن قد يستطيعون إثبات آثار القصف الأميركي البشعة والسيئة على البيئة العراقية.

أو أنهم يقتلون الخبراء والأكاديميين الذين لديهم القدرة والإمكانية العلمية لتطوير البرامج الاستخباراتية والعملية أو تحقيق الكشوفات العلمية في كثير من المجالات الحيوية.

السؤال الملح هنا هو، من يجب عليه أن يتحمل مسؤوليات هذه الجرائم؟ الاحتلال ينفي تورطه في مثل هذه الممارسات ويلقي باللوم على الجماعات العرقية المختلفة، بالرغم من وجود الكثير من الأدلة المشيرة إلى تورطه الفاضح، لأنه هو من يملك في العراق اليوم القدرة والدعم السياسي والحصانة ليقوم بمثل هذه الهجمات المنظمة لتصفية العراق من علمائه ومفكريه.

وحتى وإن كانت قوى أخرى غير قوى الاحتلال تمتلك شيئاً من القوة، لكنها حتماً لا تمتلك الحصانة ولا الدعم السياسي المطلق الذي يمكنها من تنفيذ تلك العمليات. فلماذا لا يتم التحقيق بشكل مكثف في هذه الحوادث؟ ولماذا يغفل الإعلام، العربي والأجنبي على حد سواء التركيز على هذه القضية الحيوية؟

إن من الواضح جداً أن هذه الممارسات البشعة عملية مقصودة، كما يقول الدكتور أسعد جواد، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، وأن هدفها هو تصفية ثروة العراق الهائلة من المثقفين، تحت سمع وبصر قوات الاحتلال، وأن هناك ما يكفي من الأدلة والوثائق التي تؤكد مسؤولية الاحتلال عن بعض هذه الحوادث، إذا لم يكن معظمها. غير أنه، سواء كانت قوات الاحتلال وراء هذه التصفيات أو الجماعات الإرهابية أو الجماعات العرقية.

كما تدعي تلك القوات، إلا أن هناك حقيقة مروعة يجب التحرك بسرعة تجاهها، وهي أن هناك تصفية منظمة للأكاديميين والعلماء العراقيين من الرجال والنساء ومن كل الخلفيات الدينية، شيعة كانوا أم سنة، مسيحيين، أم أكراداً أم تركماناً، هناك في العراق اليوم عملية نسف وإفراغ للبناء العلمي والفكري لعراق «مهد الحضارات» الممتدة جذوره لآلاف السنين.

هناك عملية تصفية وحشية، لم تتكرر في تاريخ العراق، للبناء العقلي، الفكري والإبداعي العراقي، وللتراكم العلمي والفني الذي أسسه وبناه عبر السنين المثقفون العراقيون باختلاف انتماءاتهم. هناك عملية تفكيك منظمة للمؤسسة التعليمية والثقافية العراقية.

فبالإضافة إلى تصفية العقول، تم نهب وتكسير الكثير من المؤسسات التعليمية والثقافية، مثلما تم إحراق الكثير من المكتبات الحديثة والتاريخية، بالإضافة إلى سرقة الكثير من الآثار والممتلكات التي تشكل الإرث الحضاري والثقافي للعراق من المتاحف والمواقع الأثرية، وما تبقى من البنية التعليمية والثقافية العراقية ليس إلا واجهات وشعارات، وكأن هناك هدفاً واضحاً يسعى الاحتلال لتحقيقه، ألا وهو تحطيم وتفتيت تعاليم وعلوم أحد أهم الحضارات الحاضنة للإنسانية، لكي يتمكن.

وهو لن يستطيع، بناء حضارة أخرى محلها جوفاء من كل القيم إلا قيم الخنوع والتبعية، فلكل حضارة كبوة ولكل شعب عودة، لكن نحن فقط نسمي الأشياء، ونقرع الأجراس، حتى لا يكون هناك مزيد من القتل ومزيد من التخريب. وحتما لن يعدم العراق نهوضاً آخر.

جامعة الامارات

albaharm@yahoo.com