أكثر من ينادون بالفضيلة وتبني السلوك الأخلاقي، شعب الوطن العربي والعالم الإسلامي، لكن النقيض هو السائد، أي أن التعهدات التي تقفل بها مؤتمرات القمة، وغيرها، تودع لحظات المجاملات بإحالة التوصيات والقرارات الى الحفظ، ان لم تكن وسيلة إثارة لخلافات جديدة تؤدي للقطيعة والحرب الإعلامية الغبية.
النماذج كثيرة، فقد انعقد مؤتمر مصالحة بين الافغان في مكة المكرمة، وهم مسلحون جميعاً، لكن لم يجف حبر الاتفاق، إلا وتهرق الدماء وتصبح الخصومة أكبر من الحلف في أرض مقدسة وصيانة الحقوق، واحترام القرارات.
إيضاً كان مؤتمر الطائف القريب من مكة المكرمة صيغة الاتفاقية بين الفرقاء اللبنانيين واستطاع ان يكون هدنة طويلة، لكنه الآن يخرج من دائرة العمل به كنص قانوني ملزم الى شريعة المليشيات، والمبارزة من خلال غوغاء الشارع.
والعراقيون جلسوا للحوار في الموقع ذاته الذي اقام به الافغان، وكنا نعتقد ان ميلاد عراق جديد من خلال مؤتمر مكة المكرمة، سوف يزيل الاحتقان وتقاتل المذاهب والقوميات لأن الموضوع ليس احترام اتفاق طالما الولاء للطائفة أقوى من كل شيء.
هذه الصور تتكرر بين الأنظمة، اي ان كل دولة تتباعد عن الأخرى، والاسباب إما شخصية او سياسية، والكل يعتبر نفسه حليف دولة كبرى او اقليمية، وحالات الضياع هذه قسمت البيت، والشارع، وخلقت حمى طويلة بين مختلف شرائح المجتمع، لأن الطاغي ليس الحوار، والقبول بالتنازلات من اجل مصلحة وطن وأمة، وإنما الاعتبار صار لشخصية القائد أياً كان موقعه واتباعه وانصاره وعلى هذا المنوال صدقت اصفار المرحوم سعد زغلول، الذي اعتبر الحاصل لجمع خانات الاصفار، اصفاراً أخرى.
نعجب تماماً لماذا لا يتطور فكرنا لتقودنا عقولنا الى ساحات العمل أسوة بمجتمعات اقل منا امكانات وموقعاً وحجماً جغرافيا وسكانياً، ولعل المشكلة ليست فقط بقلة الوعي، او نمط السلوك وانما للروح الفردية السائدة، والتي من خلالها تفسر السلوكيات والتطلعات، حتى ان ظاهرة ان يقود الخلافات والحروب الطبقات العليا بالتعليم، او التفقه بالدين، او من لهم خبرات عليا في ادارة خبرات قانونية او سياسية تعتبر اهم الحالات التي تحتاج الى علاج نفسي باعتبارها طبيعة عربية وإسلامية غير قابلة للتكرار في مجتمعات اكثر تعقيداً مثل التنوعات البشرية والدينية وغيرهما في البرازيل والهند مثلاً.
موضوع نقض الاتفاقات، وعدم احترام شرف الكلمة والتوقيع عليها، امور باتت تحيّر كل من يفهم بطبيعة العلاقات الاجتماعية، وكيف اننا نتجه الى السلبيات في عموم معاملاتنا لأن كل شيء نطرحه يغلفه الشك، ويتحول عدم اليقين الى قطيعة، ومنهما تنشأ عوامل الافتراق الطويل، حتى اننا اثبتنا اننا امة تقوم نوازعها على ان لا تتفق.