ترك غياب رئيس الوزراء اسماعيل هنية الذي توجه الى جولة مطولة من الزيارات لدول المنطقة فراغاً في بنية ادارة المحادثات الائتلافية بين حركتي »حماس« و»فتح« ، وهذا التقييم ليس مبالغاً فيه ، مع التأكيد في الوقت نفسه على حق رئيس الوزراء في القيام بجولات خارج الوطن بهدف إجراء الاتصالات وتمتين العلاقات وحشد الجهود لخدمة مصالح الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية شريطة ان تكون الأوضاع الداخلية مستقرة والانسجام تاماً بين الحكومة والمعارضة بحيث يتفرغ رئيس الحكومة لمعالجة الشؤون الخارجية بالتركيز والعناية اللازمين.
ومن تحصيل الحاصل ان يعلن الرئيس محمود عباس ان المفاوضات لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية قد وصلت الى طريق مسدود وان تتكرر هذه المقولة في تصريحات كبار المسؤولين الفتحاويين في المؤسسة الرئاسية وخارجها.كما من الطبيعي كذلك ان تتصدى حركة »حماس« لهذه المقولة بالرفض والتفنيد من منطلق ان الحركة موحدة وقادرة على اتخاذ القرار سواء في حضور هنية أم خلال غيابه خارج البلاد.
والحقيقة الساطعة التي يدركها المواطنون جميعاً هي ان المباحثات لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية قد طالت أكثر بكثير مما يجب وان الاختلافات على ما يسمى بالحقائب الوزارية »السيادية« لا تتناسب مطلقاً مع التدني الفعلي لصلاحيات هذه الوزارات وافتقارها الواضح الى أي صفة سيادية: فالسلطات الاسرائيلية هي التي تهيمن على مقدرات البلاد والعباد والوزارات في الحقيقة والواقع ليست الا مناصب رمزية ، والتصارع عليها لا ينسجم مع مفهوم النضال من أجل التطلعات الوطنية العليا للشعب الفلسطيني او حتى الادراك الواقعي للمعاناة الفلسطينية المتواصلة دون توقف منذ العام 1967 وحتى يومنا هذا وما بعد يومنا هذا ايضاً.
والمؤسف حقا هو ان الخيارات المتاحة لحل الأزمة الوزارية الراهنة تبدو محدودة ، او حتى شبه منعدمة ، فالتوازن في القوى السياسية بين الحركتين الكبيرتين يحول دون تفرد أي منهما بأي خطوة غير محسوبة قد تكون على حساب الأخرى.ويفرض هذا التوازن قيوداً على تحرك الحكومة والمجلس التشريعي ، علما بأن غالبية أعضائهما رهن الاعتقال الاسرائيلي.
كما ان تحرك المؤسسة الرئاسية يتطلب حسابات دقيقة وترويا مطولاَ من أجل ابقاء الأوضاع قيد السيطرة ، وحتى لا يحدث لا سمح الله ما لا تحمد عقباه من تجاوز للخطوط الحمراء والمحاذير التي يخشاها الجميع.ويتحمل الجميع المسؤولية عما قد تؤول إليه الأمور: واذا كانت حركة »حماس« قادرة كما يقول المتحدثون باسمها على اتخاذ القرار الحاسم فيما يتعلق بالحكومة الائتلافية في غياب رئيس الحكومة ، فان عليها اتخاذ هذا القرار بأسرع ما يمكن.
وفي الوقت ذاته فان حركة »فتح« ايضاً أمام خيارات صعبة ، هذا اذا كان لديها أي خيارات بديلة في ظل المعطيات الداخلية والخارجية.وعلى الحركتين ادراك خطورة المرحلة وجسامة التحديات والتصرف بوعي ومسؤولية وفي إطار الاجماع الوطني، والمصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني.