كنت ضمن المجموعة الطيبة التي تشرفنا بوضع كتاب التربية الوطنية للصف العاشر، والذي اعتمد للصف التاسع فيما بعد ضمن مناهج التربية والتعليم في مدارس الإمارات. لقد استغرق منا الكتاب أكثر من عامين بحثاً وتأليفاً ومراجعات، ويشهد الله على نوايا الفريق الذي أدَّى المهمة، ومدى وطنيتهم وإخلاصهم، وكم امتلأت غصة حين سمعت تلك المهاترات والتشكيك من قبل بعض المزايدين في إعلامنا المحلي، والذين طالبوا بإلغاء الكتاب لأنه يمس الوطن ويؤذي الوطنية لوجود رسم كاريكاتيري قابل للخلاف عليه وتأويله.
لا أدري فيما إذا كان الكتاب قد أُلغي أم لا، لكن ما أدريه تماماً أن أحداً لم يتصل بلجنة التأليف، ولم يسألها رأيها في تلك الضجة التي أثيرت، والتي لا تخرج عن كونها مزايدات لا أكثر ولا أقل، افتعلها من لا علاقة له بالوطن حقيقة.
فليس من افتعل هذه القضية أكثر وطنية أو انتماءً أو انتساباً للإمارات من الذين اشتركوا في التأليف، ولكنها طبيعة البشر تنساق لمن صوته الأعلى ولسانه أكثر حدة للأسف.
لقد اجتهدنا عند وضع الكتاب أن نكرس الولاء للوطن والانتماء إليه، لأنه وطن يستحق الحب والولاء، ولأن مسيرته تستحق الاعتزاز، ولأن الآباء الكبار المؤسسين يستحقون الافتخار بهم والدعاء لهم بالمغفرة والرضوان، فما شيدوه وما تركوه لنا ليس مجرد وطن على خريطة صماء يحده شرقاً كذا وغرباً كذا، ولكنه وطن محاط بالأصدقاء، ومسيج بالأمان ومحروس بقوة الرجال الساهرين على أمنه واستقراره.
في حين أن أوطاناً كثيرة تحولت مع الأيام إلى إقطاعيات ينهبها الأقوى شأناً والأطول ذراعاً، أوطان ليست أكثر من علم وجيش وقائد أوحد لا يقود الناس إلى الخير بقدر ما يقودهم لمصلحته، زبد لا أكثر ولا أقل.
واليوم نحن نحتفي ونحتفل بالثاني من ديسمبر ذكرى وحدتنا ويومنا الوطني، فإننا نمعن النظر في الحاضر ونلقي على الماضي نظرة ونطلق للمستقبل أخرى ونقول: رحم الله زايد الحكيم وراشد الرشيد الأمين، رحم الله المؤسسين الكبار الذين بنوا الإمارات بنياط قلوبهم لتكون مظلة لكل إماراتي يعيش على هذه الجغرافيا من أول شبر في أبوظبي لآخر قرية في الفجيرة، ومعهم يستظل وينعم بالأمان الإخوة والأصدقاء والضيوف وكل قريب وبعيد يأتي لينعم بخيرات هذه التجربة الخيرة التي ضربت عبر التاريخ السياسي المعاصر مثلاً فريداً لم يتكرر في التماسك والبقاء واستمرار خطى التنمية ـ التي أهمها وأولها تنمية الإنسان.
بدأت بكتاب التربية الوطنية، لأن هذه التربية من الخطورة بمكان، وعلينا الانتباه إلى تكريسها لأن على جسر الوطن عبرت أقوام وتوجهات، وتحت جسر الوطن تدفقت مياه كثيرة، ليس كلها صافياً ونقياً، وقد نحتاج إلى تنقية الشوائب من نفوس طلابنا وطالباتنا في هذه الأيام التي تعصف بهم فيها رياح العولمة والعصرنة والأمركة، و... الخ.
كتاب الوطن كبير فيه مما ينفع الناس الكثير، وأما الزبد فيذهب جفاء. نحن اليوم بحاجة لتأصيل وتثبيت هذا الخير الذي ينفع الناس في كل مجال بأمانة ومسؤولية، لأننا نؤسس للمستقبل وليس لليوم، لأجيالنا القادمة وليس لنا وحدنا.