دخلت تظاهرة المعارضة اللبنانية واعتصامها، في بيروت، يومها الثاني حتى الآن، مازال «النزول إلى الشارع» يتسم بالانضباط؛ الموعود والمرغوب. الطابع السلمي ساد أجواءها، كما ساد الأجواء اللبنانية عامة. وهي لا شك بداية طيبة تؤكد الحرص على سلامة البلد واستقراره؛ السريع العطب، في كل حال، كما تؤكد على وعي القيادات لحساسية اللحظة الراهنة في لبنان، وضرورة مراعاة متطلباتها. وبذلك ساهمت سلمية التحرك في تهدئة المخاوف، ولو إلى حين. وقد تعزز ذلك باستمرار الاتصالات والمحاولات، المحلية والعربية، لسكب المزيد من الماء البارد على الحالة اللبنانية الساخنة. كما طلعت مطالبات لبنانية، لها صدقيتها وتقديرها، بوجوب تحديد سقف زمني لخيار الشارع.

وفي الوقت ذاته يتزايد الحديث عن مبادرة عربية، يجري العمل على بلورتها لتكون جاهزة؛ في أيام قليلة.. كل ذلك مع بعضه يشي بأن الأمور لم تخرج عن السيطرة. وأن الأزمة لا تزال قابلة لإيجاد مخارج مقبولة لها. لم تبلغ بعد نقطة الانسداد. الأمر الذي يبقي على باب الأمل مفتوحاً. ويترك المجال لإبداء التفاؤل ولو الحذر.

لا شك أن هذه الأزمة قد قطعت شوطاً بعيداً في توسيع الفجوة بين الفريقين في لبنان، فالانقسام تعمّق، وكل طرف قطع مسافة صار من الصعب عليه معها التراجع. وبالنهاية تحقق النزول إلى الشارع.

والآن لابد من معاينة الظرف وأخذ فسحة للتأمل؛ طالما أن الخطوط ما زالت سالكة؛ والوقت لا يزال يسمح بذلك، لكن هذا الأخير يركض بسرعة. مساحته تضيق. وقبل أن يتحول إلى عامل إرباك، يجدر استغلال لحظاته للاستدراك. فالبقاء في الشارع، عملية ضاغطة. كلما طال أوانه ارتفعت درجة ضغوطه. خاصة في أجواء احتقان واختناق، كالتي يعيشها لبنان اليوم وعاصمته.

ومثل هذا الارتفاع محكوم، إذا تعذر كبحه، بالتصعيد.. ثم بالمفتوح على المجهول!

وفي الواقع بدأت تظهر مؤشرات من هذا النوع. فقد تردد أن الطرق الثلاث المؤدية إلى مبنى رئاسة الوزراء قد جرى إقفالها؛ وبما أوحى أن المبنى صار في ما يشبه الحصار ولحسن الحظ، أثمرت الاتصالات المستعجلة التي حصلت؛ عن فتح ممر إلى المكان؛ المتواجد فيه رئيس الحكومة وبعض الوزراء.

الأمل والرجاء أن تكون تلك حادثة عابرة.. وأن تبقى الأمور في إطارها المقبول. فالخطر هنا يكمن في خلق أجواء قد يجري تفسيرها في غير سياقها؛ بحيث تكون حافزاً لتحرك الشارع المضاد. وهذا آخر ما يحتمله لبنان، في ظل المناخ المتوتر السائد.

والخوف المشروع أن يقوم طابور خامس ما ـ حذر منه الكثيرون وآخرهم رئيس الحكومة الأسبق سليم الحص ـ بإثارة هذه الأجواء، فالبلد، كما يعترف ويعرف الجميع، يعاني من حالة انكشاف أمني خطير. والاغتيال الأخير لوزير الصناعة يؤكد ذلك. وبالتالي فإن التلاعب بأوضاعه أمر لا يجوز استبعاده من الحسابات. خاصة في مثل الحالة التي تعيشها بيروت والتي قد يسهل، في ظلها، على المتلاعبين ترجمة ألاعيبهم الشريرة.

لبنان دخل امتحاناً محفوفاً بالمجازفة، مسؤولية اجتياز هذا الظرف ملقاة على الأطراف كافة. ولا يحسبن أحد أنه قد يطلع من هذه المواجهة بغنيمة، وحدها سلامة البلد هي الغنيمة المشروعة والممكن إطلاق هذا الاسم عليها.