جاء الرئيس الأميركي جورج بوش إلى العاصمة الأردنية عمان، تقوده استحقاقات انتخابات الكونغرس التي مني حزبه فيها بالهزيمة، وعودة الغالبية النيابية إلى الديمقراطيين لأول مرة منذ 12 عاما، وهو ما سيجعل من بوش بطة عرجاء على حد وصف المحللين السياسيين خلال المدة المتبقية من ولايته على المدى العامين المقبلين.

بوش استبق بدء عمل الكونغرس بتشكيلته الجديدة في يناير المقبل، وقام بما يشبه المناورة المبكرة، لتخفيف الضغوط التي تنتظره بشأن الملف العراقي وإجماع العديد من السياسيين ووسائل الإعلام الأميركية على وصف ما يجري على ارض الرافدين بالحرب الأهلية، رغم إنكار البيت الأبيض لهذا الوصف، واكتفاء بوش وإدارته بالحديث عن صعوبات رغم تصاعد عمليات القتل التي تتم على أسس طائفية ومذهبية، ويروح ضحيتها عشرات العراقيين ان لم يكن المئات يوميا.

وعلى سبيل المثال فإن الخبير الرئيسي بشؤون الشرق الأوسط في خدمة الأبحاث التابعة للكونغرس الأميركي كينيث كاتزمان، قال قبل أيام لصحيفة «ملادا فرونتا» التشيكية: «ان العراق يشكل الآن إخفاقا شاملا للولايات المتحدة» و ان ما يجري في العراق الآن هو «حرب أهلية».

لقد حاول الرئيس الأميركي الهروب إلى الأمام في ملف كان سببا في خسارته الانتخابية، وتضاؤل شعبيته، عبر الاجتماع مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في عمان، وليس في بغداد التي سبق ان زارها بوش لساعات محدودة من قبل، وفيما يشبه السرية، نتيجة لتردي الأوضاع الأمنية ومع ذلك مازال يصر على إتمام المهمة، وهو التعبير الذي بات فارغ المضمون، ومحل تساؤل، فعن أية مهمة يتحدث وقد غرق العراق في الفوضى رغم اقتراب الغزو الأميركي من إكمال عامه الرابع، وهل نشر الديمقراطية باعتبارها المهمة الأخيرة المرفوعة كشعار بعد سقوط باقي الشعارات التي اتخذت كذريعة للحرب، تحتاج إلى كل هذه المدة، من دون ان يلوح فى الأفق دربا للوصول إليها؟

أراد بوش من لقائه بالمالكي، إلقاء عبء فشل القوات الأميركية في منع التدهور الأمني على الحكومة العراقية، حتى إذا أخفقت كانت كبش الفداء الذي يمكنه من رفع الحرج عن إدارته أمام لجان الكونغرس ذي الغالبية الديمقراطية التي سيستل أركانها أسلحتهم لمساءلة الإدارة، والنبش في كل الملفات المسكوت عنها، وبالتالي يصبح في يد بوش ما يمكن ان يحفظ ماء الوجه، أو ما يرفع الضغوط قليلا.

الإدارة الاميركية تعلم قبل غيرها ان حكومة المالكي تواجه صعوبات جمة، ولعل الوثيقة السرية التي شكك فيها مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض ستيفن هادلي، في قدرة المالكي في السيطرة على الوضع الأمني المتدهور بالعراق خير دليل.

إذن لماذا يرمي الرئيس الأميركي بالكرة في ملعب المالكي والاكتفاء بإعلان دعمه وتأييده لحكومته إذا كانت إدارته تشكك في قدرة الرجل على الإمساك بدفة الأمور؟

اغلب الظن ان الهدف لا يخرج عن كونه سعيا، مبكرا كما قلنا للالتفاف على الاستحقاقات التي تنتظر البيت الأبيض أمام الكونغرس الجديد الذي يبدو ان غالبيته الديمقراطية لم تقنع بالتضحية بوزير الدفاع دونالد رامسفيلد، كنوع من رسالة الود، وعربون صداقة من الرئيس الجمهوري وتريد المزيد.

وربما يكون هذا المزيد في التقرير النهائي الذي أعدته لجنة دراسة العراق التي يرأسها وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر، المنتظر إعلانه هذا الأسبوع، والذي أشارت مصادر أميركية إلى انه سيوصي بضرورة البدء في خفض القوات الأميركية بالعراق، اعتباراً من يناير المقبل، والدعوة لمؤتمر إقليمي وإشراك سوريا وإيران في البحث عن مخرج يعيد الاستقرار الى العراق.

الإدارة الأميركية لا شك تواجه ورطة في العراق، رغم ان البعض كان يتحفظ على هذا الوصف في فترات سابقة، حتى اعترف أركان الإدارة الأميركية بأنهم عالقون فعلا هناك وهو ما يستدعي تحركا يمكن ان يقلل حجم الإخفاق الذي لم يعد ممكنا إنكاره، وكلنا يتذكر كيف شبه بوش نفسه ما يجري في العراق مع ما حدث في فيتنام في سبعينات القرن الماضي.