بقدر ما يزداد الانسداد في أزمات المنطقة ويرتفع مستوى العنف هنا والتوتر هناك ومع هذا الانسداد يزداد الارتباك الأميركي في العراق مع تحول هذا الأخير إلى فيتنام جديدة لواشنطن، وبقدر ما يزداد القلق الدولي حول تداعيات هذه التطورات كل بالطبع من زاوية موقعه ومصالحه في المنطقة، سواء كانت تلك المصالح تحمل عنوان الاستقرار أو التغيير، بقدر ما يزداد «الحوار» شدة وتنوعا ومشاركة حول استراتيجيات الحاضر وخيارات المستقبل أو الخيارات البديلة، في كل من واشنطن وأوروبا وإسرائيل بشأن كيفية التعامل مع الفوضى المتنامية والمجهول المحتمل في «الإقليم الشرق أوسطي».

أربع مقاربات استراتيجية تتبلور من خلال هذا الحوار الدائر والمنتشر.

أولاً: استراتيجية الاستمرار، استمرار الصدام مع إيران وسوريا التي يتمسك بها بشكل خاص المحافظون الجدد الذين تراجع دورهم بقوة بسبب العراق ولو بقيت لهم مواقع مهمة ومؤثرة في الإدارة الأميركية. انها استراتيجية تأتي تحت عنوان التغيير والدمقرطة في الشرق الأوسط ولم يبق منها بالطبع إلا العنوان فقط. استراتيجية تهدف إلى محاربة الإرهاب لكنها تختزل الديناميات السياسية والمجتمعية الشديدة التعقيد والتداخل في المنطقة تحت عنوان مبسط ومنطق «مانوي» يقوم على ثنائية الخير والشر.

هذه الاستراتيجية التي انخفض سقفها عمليا من التغيير المزدوج، تغيير الأنظمة، إلى سياسة الاحتواء المزدوج الناشط لكل من إيران وسوريا، تعتبر ان الصراع حول الشرق الأوسط وتحديدا بين واشنطن وطهران صراع بنيوي قيمي واستراتيجي، وبالتالي فإن المواجهة محتومة ولو مرت بفترات مختلفة من ارتفاع وانخفاض مستوى التوتر ورغم فترات من التعايش والتفاهم في أفغانستان والعراق. هذه الاستراتيجية تستمر في تجاهل القضية الفلسطينية وتتعامل معها وكأنها قضية أمنية فقط. وتستمر في الدوران في حلقة مفرغة في العراق ولا تجد وسيلة لكسر هذه الحلقة. وتتعرض هذه الاستراتيجية لانتقادات شديدة ومتزايدة من مواقع مختلفة في هذا الحوار الدائر.

ثانياً: استراتيجية الاحتواء الأحادي التي تستهدف ايران. وهذه تقوم على الدعوة لمد الجسور مع سوريا بغية «تشليح» إيران ورقتها الأساسية في المنطقة، وكسر خط النفوذ الإيراني الذي يمتد من طهران إلى البحر الأبيض المتوسط. وتدعو هذه الاستراتيجية إلى إعادة تطبيع العلاقات مع سوريا كوسيلة أساسية لاحتواء إيران. لكن المشكلة الأساسية التي يواجهها دعاة هذه الاستراتيجية تتعلق بتحديد الثمن المطلوب دفعه لسوريا لإحداث فك الارتباط بين دمشق وطهران.

وهو ثمن مرتفع جدا من حيث قدراتهم وخاصة في الجانب الإسرائيلي المطلوب دفعه في هذا الخصوص، باعتبار ان الموازين القائمة في إطار العلاقة السورية الإيرانية شهدت تحولا في الفترة الأخيرة لمصلحة ايران مع التغير الذي حصل في العراق والسياسة النووية الإيرانية والإمكانات المادية الإيرانية الهائلة وخروج سوريا من لبنان، وبالتالي صارت الكلفة أكثر من الممكن دفعه.

ثالثاً: استراتيجية الاحتواء الأحادي التي تستهدف سوريا وهي مشابهة للاستراتيجية الثانية من حيث منطلقاتها. وتقوم على الدعوة لعقد صفقة مع إيران باعتبارها الطرف الأقوى والأكثر تأثيرا حسب هذه الاستراتيجية في الملفات الأكثر أهمية وخطورة في المنطقة، وهي الملف العراقي والنووي وامن الخليج، وبالتالي وتجاهل سوريا.

ويذكر دعاة هذه الاستراتيجية بنموذج التطبيع الأميركي الصيني ودبلوماسية كرة الطاولة حينذاك التي سهلت هذا التطبيع والذي قام بها الثنائي نيكسون وكيسنجر.

رابعاً: استراتيجية الانخراط المزدوج التي تقوم على الحوار مع كل من إيران وسوريا باعتبار ان الحوار وتطبيع العلاقات مع طرف واحد غير كاف للخروج من الوضع النزاعي الخطير في المنطقة بسبب تداخل المسائل الإقليمية وقدرة كل من الطرفين الإيراني والسوري، ولو بدرجات مختلفة، وحسب كل مسألة على التأثير في القضايا الإقليمية. ويعتبر دعاة هذه الاستراتيجية أنها الوسيلة الوحيدة الممكنة لإنقاذ الشرق الأوسط من حالة الفوضى التي يغرق فيها والتي تطال مصالح الجميع من «دولي» و«إقليمي» ولو في فترات مختلفة، ولتأسيس نظام إقليمي جديد من خلال اللجوء إلى آلية المقاربة الشاملة لكل من المسألة العراقية والمسألة الفلسطينية. المسألتان المستقلتان بمصادر النزاع والتوتر في كل منهما والمتداخلتان في الوقت ذاته واللتان تطبعا بشكل شبه كلي الأجندة الإقليمية والأجندة الدولية وفي هذا الخصوص الغربية في المنطقة.

ويقول أصحاب هذه الاستراتيجية ان هنالك بديلا ثالثا عن استراتيجية الصدام المفتوح والمستمر أو استراتيجية اللاسياسة التي أثبتت فشلها من جهة واستراتيجية التسليم للخصم و«تلزيمه» لقضايا المنطقة وتوتراتها من جهة أخرى كما يتخوف البعض عن حق بسبب بعض تجارب الماضي، بحيث تكون عملية احتواء توتر ومعالجته من خلال زرع توتر آخر أو إبقاء النار تحت الرماد ضمن منطق الصفقة والمقايضات في «لعبة الأمم» التقليدية التي عرفتها المنطقة من قبل.

الخيار الثالث حسب هذه الاستراتيجية يقوم على بلورة قواعد وشروط واضحة ومتوازنة وتستند إلى مبادئ وقواعد وقرارات الشرعية الدولية بغية تأسيس لعلاقات مختلفة تساهم ليس في استبدال أزمة بأخرى أو إعطاء حقوق لطرف على حساب طرف آخر بل بخلق بيئة أمنية سياسية إقليمية جديدة من خلال معالجة المصادر البنيوية والأخرى المباشرة للنزاعات والتوترات القائمة في المنطقة.

ما قد يساعد في الدفع باعتماد استراتيجية من هذا النوع التي تشكل عامل إنقاذ للجميع ضرورة تبلور موقف عربي صار مطلوبا حتى لا يبقى الدور العربي غائبا في حين ان اللعبة الكبرى، لعبة المواجهات والمقايضات المحتملة والتسويات المطلوبة والمنشودة، تجري على أرضهم وحولهم. «فالنظام الإقليمي العربي»، رغم الوضع الذي يعيشه، يحتاج لإطلاق حوار شامل مع إيران حول المسائل الإقليمية، ويحتاج أيضا للحوار مع واشنطن حول القضايا ذاتها حتى لا تأتي الصفقات أو التفاهمات اللاحقة سواء كانت بالجملة أم بالقطعة على حسابه.

كاتب لبناني