الرئيس الأميركي يعلن مرة أخرى أن أميركا لن تنسحب من العراق «قبل أن تكمل المهمة». مصيبة سوداء إذا لم يكن الرئيس الأميركي يكذب كعادته، فما تحقق من المهمة الأميركية في العراق كان ثمنه حتى الآن تدمير العراق وإدخاله في حرب أهلية كارثية، و650 ألف ضحية، وما تحقق من «المهمة الأميركية» في العراق كلف أميركا حتى الآن 300 مليار دولار وثلاثة آلاف قتيل من الجيش الأميركي وأضعافهم من العاملين في «شركات الأمن الأميركية الخاصة» التي لا يحسب قتلاها ضمن ضحايا الجيش الأميركي.
والأهم.. ما هي «المهمة» التي يصفها الرئيس الأميركي أحيانا ب«التاريخية» وأحيانا بـ «المقدسة» وعندما يتواضع يصفها ب«الاستراتيجية» وإنها ـ وفقا لرؤية الرئيس الأميركي أو بالأصح رؤية اليمين الصهيوني الذي ورطه ـ جزء هام من الحرب ضد الإرهاب. وهي اكبر الأكاذيب التي قادت أميركا إلى ورطتها، وقادت العراق إلى محنته، وقادت المنطقة إلى الأوضاع الصعبة التي تعيشها والأوضاع الأصعب التي تترقبها!
العراق ـ كما يعرف الرئيس الأميركي وبطانته الصهيونية ـ لم يكن يوماً يمارس الإرهاب ولا كان مسرحاً له، بل ـ على العكس ـ كان العراق جزءاً من الحرب الحقيقية ضد الإرهاب في الوقت الذي كانت أميركا وبعض دول الغرب تتبنى هذا «الإرهاب» وتحميه، وتستخدمه في الحرب ضد أعدائها، ولم تدخل هذه الجماعات «الإرهابية» ارض العراق إلا مع الغزو الأميركي.
حكاية «الإرهاب» حكاية ملفقة، مثلها مثل حكاية «أسلحة الدمار الشامل» التي لم يثبت فقط أنها كاذبة، بل ثبت أن الإدارة الأميركية كانت تعلم بهذا الكذب، وكانت تحتال على الشعب وعلى الكونغرس وعلى العالم بأدلة تقوم بتلفيقها لكي تبرر غزوها للعراق.. هذا الغزو الذي كان له هدف أساسي هو «تدمير العراق» وإنهاء وجوده كقوة عربية يمكن أن تمثل تهديدا لإسرائيل.
هذه هي المهمة الحقيقية لأميركا والتي تم تنفيذها بالكامل وبصورة فاقت ما كان اليمين غير الصهيوني في الإدارة الأميركية يتوقعه، فقد كان هذا الفريق في الإدارة الأميركية يبني إستراتيجيته على أن غزو العراق والسيطرة على ثرواته البترولية سوف تتيح لأميركا بناء قاعدة أساسية لإمبراطوريتها، خاصة إذا ترافق ذلك مع قيام تجربة «ديمقراطية» في العراق الجديد تكون «نموذجا» يمكن تقديمه لشعوب المنطقة كمبرر للغزو و«عربون» للانضواء تحت هيمنة الإمبراطورية الأعظم في التاريخ!
الفريق الأول «الصهيوني» في الإدارة الأميركية أدرك أن مهمته تحققت في الشهور الأولى بتدمير العراق تدميراً كاملاً وبدأ في الانسحاب من مسؤولياته، وترك الفريق الثاني الساعي لبناء الإمبراطورية يغرق في «المستنقع» العراقي ويأخذ معه الرئيس الأميركي ليدفع (ويدفع العالم كله معه) ثمن جهله وحماقته وغطرسة القوة التي تملكته وجنون التوهم بأنه يؤدي رسالة إلهية!
الآن.. وبعد الهزيمة لحزب بوش في انتخابات الكونغرس، وبعد استبعاد وزير الدفاع رامسفيلد، لم يعد هناك مفر من الاعتراف بالفشل والبحث عن مخرج من الأزمة. وإذا كان تقرير لجنة بيكر ـ هاملتون لم يعلن كاملاً، ورغم تصريحات وزيرة الخارجية رايس بأن الإدارة لن تنفذ توصيات اللجنة، فإن ما يجري على الأرض غير ذلك. والرئيس الأميركي الذي يتمسك بلهجته المتشددة إزاء إيران وسوريا، يفتح ـ في نفس الوقت ـ الأبواب أمام التعاون مع الدولتين في العراق.
من جانبها أعلنت إيران ـ على لسان الرئيس احمدي نجاد ـ أنها مستعدة لمساعدة الولايات المتحدة في العراق.. ولكن من سيساعد شعب العراق على استعادة وحدته واستقلاله الحقيقي والنجاة من الحرب الأهلية التي بدأت بالفعل؟
صحيح أن القيادات الإيرانية كررت بعد ذلك الحديث عن انسحاب القوات الأجنبية من العراق (وربما من المنطقة) كشرط لتكون جزءاً من الحل في العراق، ولكن الكواليس تقول إن إعلان الانسحاب التدريجي سيكون كافياً لإيران مع رحيل القوات البريطانية من الجنوب، وان الأهم هو الاعتراف بالدور الإيراني والتعامل مع إيران كقوة إقليمية لها مكانتها وقوتها ومصالحها التي يجب أن تراعى عند تسوية أوضاع المنطقة، بما في ذلك إنهاء أزمة الملف النووي بما يحقق أهداف طهران.
التفاهم بين واشنطون وطهران سيوفر الفرصة لاستخدام الأخيرة نفوذها على الجماعات الموالية لها لتهدئة الموقف في العراق.. ولكن هل سيكفي ذلك؟ وكيف تكون الأوضاع في العراق في ظل هذا التفاهم؟ وكيف سيكون موقف باقي الأطراف؟
اكتب وفي ذهني الصورة البشعة لما يحدث على الأرض كما روى لي الشيخ حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين بعض ملامحها. وقد آثر الرجل عندما عقد مؤتمره الصحافي في نقابة الصحافيين المصريين أن يكون رفيقاً وهو يتحدث عن المأساة الطائفية البشعة التي يعيشها العراق. ولا أظن أن قرار الحكومة العراقية بالتعتيم الإعلامي على ما يجري من مناقشات حتى داخل البرلمان العراقي حول هذه المأساة سيكون هو الحل. وصحيح أن محاصرة التصعيد الإعلامي مطلوبة ولكن ماذا عن الذي يحدث على الأرض؟
بالطبع هناك جهود أميركية مع بعض الأطراف العربية (المعتدلة) للتعامل مع المأساة العراقية ومحاولة التدخل لدي أطراف «السنة»®. ولكن ما يهم أميركا هو محاصرة المقاومة لوجودها. أما الحرب الطائفية التي أشعلتها فليست في جدول أولوياتها. سألت حارث الضاري، هل هناك أمل في الخروج من المأساة؟ وما هو المطلوب عربياً؟ وكان الرجل قاطعاً: نعم هناك أمل.. والمطلوب تدخل عربي سريع وحاسم.. ولكن هذا التدخل لابد أن يكون سياسيا، وليس المطلوب أبداً أن يكون عسكريا لأن مثل هذا التدخل العسكري سيكون كارثة جدية.
الجهود مع الدول العربية (المعتدلة) متواصلة، وسوريا موجودة في المعادلة العراقية، ولكن هل هناك إستراتيجية عربية للتعامل مع الموقف؟ إن أخشى ما أخشاه أن يتم تكريس الخروج الأميركي من العراق على قاعدة «التقسيم». لأن ذلك معناه أن ينصرف العراق إلى حرب أهلية لعشرات السنين، والأخطر أن يتحول العراق إلى ساحة صدام إيراني ـ عربي، وربما أيضا تكون تركيا الطرف الثالث في هذا الصراع، بدلاً من أن يكون العراق ميداناً للتعاون والتفاهم بين القوى الثلاثة. وتستطيع سوريا أن تلعب دوراً إيجابياً في هذا المجال، ولكن الأساس أن يكون هناك موقف عربي له رؤية موحدة للتعامل مع الأزمة.
هذا الموقف العربي ليس مطلوباً فقط من أجل إنقاذ العراق، ولكنه مطلوب من اجل إنقاذ المنطقة كلها، فالخطر القادم من العراق سيكون أكثر تدميرا من الوباء الذي داهمنا مع العودة من «أفغانستان». ثم إن «الآخرين» يتعاملون مع المنطقة ضمن استراتيجية واحدة. وبعيداً عن حكاية الشرق الأوسط الجديد أو الموسع، فإن المأزق العراقي دفع الأطراف الرئيسية في أوربا والآن في أميركا إلى التسليم بأن قضية العراق وقضية لبنان وكل قضايا المنطقة لا يمكن التعامل معها بمعزل عن القضية الأساسية وهي قضية فلسطين، وها نحن أمام موجة من المبادرات في هذا الشأن بعضها كاذب وبعضها يريد تفادي اشتعال المنطقة.
وإذا كان بلير رئيس الوزراء البريطاني قد تعود مع كل أزمة أن يبعث الآمال العربية في تواصل جهود التسوية السياسية العادلة للقضية الفلسطينية، وإذا كان يعود الآن للحديث عن مركزية قضية فلسطين كما حدث مع بداية غزو العراق.. فإن المبادرة الأوربية من فرنسا وأسبانيا وإيطاليا تكتسب بعض المصداقية حيث ربطت الحل بالشرعية الدولية وبمؤتمر دولي، وهو ما دعا أولمرت رئيس وزراء إسرائيل لمحاولة قطع الطريق بتقديم ما اسماه مبادرة جديدة وهو لا يحمل جديداً إلا طلب التنازل عن حق العودة.
الموقف معقد، وكل الخيوط تتشابك، والأطراف الأخرى (الأعداء والحلفاء) ينطلقون من استراتيجيات تحكم تحركهم في المنطقة، وأما العرب فيتحركون (إذا تحركوا) فرادى، ويتعاملون (إذا تعاملوا) مع القضايا بالقطاعي، وينطلقون (إذا انطلقوا) من دائرة رد الفعل بدلا من المبادرة.
أميركا وبريطانيا تبحثان عن مخرج مشرف في العراق، وإيران تحاول جاهدة تأمين مصالحها، وتركيا دخلت على الخط، وإسرائيل (وهي في اضعف حالاتها) تناور حتى لا تدفع شيئاً من ثمن الخروج الأميركي من العراق. وأخشى ما أخشاه أن يكون انفجار الأوضاع في لبنان (وربما امتدادها إلى سوريا) هو الثمن المطلوب في هذه المرحلة لكي ينشغل الجميع بالمأساة الجديدة، إلى أن تتم تسوية الأمور في العراق قبل نهاية ولاية الرئيس بوش بعد عامين. ساعتها ستكون كل الأطراف قد أخذت حصتها في التسوية، أما نحن فستكون حصتنا عراقاً مدمراً ومقسماً، وفلسطين التي مازالت تحت الاحتلال والتهويد، ولبنان الذي «كان» رئة يتنفس فيها العرب جميعاً.
نقيب الصحافيين المصريين