حفل الخطاب الذي القاه جلالة الملك عبدالله الثاني أمام المجلس الهندي للشؤون العالمية يوم أول من أمس وحضره اكثر من اربعماية شخصية من القيادات السياسية والاقتصادية في الهند بكثير من الاشارات التي يجدر التوقف عند دلالالتها والمعاني التي تنطوي عليها وخصوصا في المرحلة الراهنة التي تمر بها منطقتنا وانعكس ذلك على المشهد الاقليمي بتداعياتها واكلافها الباهظة التي سيدفعها العالم وليس شعوب الشرق الاوسط اذا ما استمر تجاهل الاسباب الحقيقية للازمات والحروب والحرائق التي تعصف بها وبقي الاهتمام منحصرا في النتائج والقضايا الثانوية.
من هنا جاء تأكيد جلالته على ان انكار حقوق الفلسطينيين وسيادتهم يؤجج النزاع المحوري في الشرق الاوسط باستمرار ويقف وراء تعمق حال عدم الاستقرار في المنطقة وكان هذا كما هو معروف البؤرة والهدف الاساس الذي ركزت عليه الدبلوماسية الاردنية التي يقودها جلالة الملك شخصيا منذ فترة طويلة والتي جاءت القمة الاردنية الاميركية التي انتهت للتو في عمان تتويجا لها وما نلحظة الان من اهتمام دولي بهذا الشأن باعادة الصدارة للقضية الفلسطينية على جدول الاعمال الدولي وما كان هذا ليتم لولا جهود جلالة الملك واصراره على اعادة تذكير العالم بمسؤولياته الاخلاقية والسياسية والقانونية.
ولعل تنبيه جلالة الملك الى ضرورة عكس مسار هذا التوجه الخطر اضافة الى اعادة الثقة في السلام يؤكد مدى الحاجة الى اعادة الثقة بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي كخطوة نحو تحقيق هذا الهدف ما يعني تحقيق نتائج على الارض توفر العون لضحايا العنف والاحتلال وتؤدي الى اعطاء طرفي الصراع افقا سياسيا يمنحهم الأمل في التغلب على تشككهم وخوفهم.
عامل الوقت يحتل مرتبة مهمة على اجندة جلالته ولهذا لفت نظر مستمعيه من النخبة الهندية الى ان التأخير والاخفاق سيؤدي الى نتائج لا يمكن تصورها على جميع بلداننا.. بينما سيكون للنجاح فوائد على مستوى العالم ومنها اغلاق منفذ يتيح الفرصة للدخول منه. وكما هي عادة جلالته فإنه ينتهز كل فرصة متاحة وخصوصا على الساحة الدولية والآن في دولة بحجم ومكانة وأهمية الهند في السياسة الدولية للحديث عن العراق والمأساة التي يعيشها شعبه وضرورة اسراع المجتمع الدولي الى ابداء المزيد من التعاون لتأمين استقرار البلاد واشراك جميع قطاعات المجتمع العراقي في العملية السياسية وبما يضمن ويوفر المناخات الملائمة لإعادة بناء العراق ذي السيادة والموحد والمستقر.
خطاب جلالة الملك كان شاملا وواضحا في انحيازه لثقافة السلام والحوار وعدم السماح للإرهابيين والمتطرفين بفرض اجندتهم على العالم او دفعه باتجاه صدام الحضارات او حروب الثقافات استنادا الى ان القيم والمصالح التي نشترك بها كبشر وحضارات تدعونا الى العمل على السلام والآن لافتا جلالته الى ان النزاعات المتواصلة في منطقتنا ليست مصدر مأساة انسانية لا نهاية لها فحسب بل هي (وهذا هو الذي يجب ان يلتفت اليه العالم ويمنحه المزيد من الاهتمام والاهمية التي يستحقها) بؤر تفريخ للتطرف والارهاب، انتشرت في ارجاء العالم وهددت الامن العالمي.
في اطار القراءة هذه جاء تأكيد جلالة الملك على ان التزام الاردن بالحوار العالمي وبالعمل على ابقاء الجسور مفتوحة وتعزيز التفاهم والتعايش كذلك ادياننا الرئيسة التي تشترك في القيم الاجتماعية الاساسية المحورية بما في ذلك احترام الآخرين، كي يضيء جلالته على رسالة عمان التي حظيت بدعم العلماء والزعماء المسلمين من مختلف انحاء العالم والتي استعرضت تعاليم الاسلام حول الاعتدال والتسامح والرحمة والمودة وهذه هي التعاليم ذاتها التي تشكل الأساس الذي يقوم عليه التزام الاردن باعتباره دولة اسلامية من خلال تأكيد الاحترام بين جميع بني البشر من المسلمين وغير المسلمين..
قصارى القول ان خطاب جلالة الملك اتسم بالشمول وبعد النظر والقراءة الدقيقة للمشهدين الاقليمي (الشرق اوسطي) والدولي وطرح المقاربات العملية والآليات التي يمكن ان تخرج دول المنطقة وشعوبها من عالم اليأس والاحباط والدموية التي تسودها كذلك في أهمية تكريس حوار الحضارات والثقافات والايمان بقدرة الشعوب على احداث التغيير الايجابي ما يستدعي تضافر الجهود لاحداث التقارب بين البشر وخلق الاجواء المناسبة لاحلال السلام واطفاء بؤر التوتر والنزاعات والحرائق المشتعلة هنا وهناك، وتوجيه الانظار والطاقات لتعظيم التنمية ومحاربة الفقر والحروب والبطالة والتصحر والتلوث البيئي والاحتباس الحراري بما يسهم في ابقاء الجسور مفتوحة ويعزز التفاهم والتعايش ويعظم من الانجازات لصالح البشرية جمعاء..