التاريخ اللبناني مليء بأشكال التضحيات والبطولات السياسية التي أهلت هذا البلد الشقيق لأن يصبح على هذا الحال من النضج الديمقراطي في التعاطي مع مشكلاته داخليا وخارجيا ، ولا يزال لبنان يدفع فاتورة هذه الديمقراطية التي يعض عليها بالنواجذ ، وعليه فان نزول هذا العدد الكبير من اللبنانيين إلى شوارع بيروت يعطي ملمحا مهما لطبيعة هذه المرحلة التي يمر بها لبنان في مواجهة ضغوط خارجية تصر على توظيف التفاعلات في الداخل اللبناني لخدمة جداول أعمال كل هؤلاء المنتظرين في الخارج ان يقع الفأس في الرأس ويسقط ضحايا بأعداد كبيرة حتى يصلوا إلى مآربهم .
ولسنا في معرض إعطاء دروس للشعب اللبناني فيما يتعلق بشؤونه الداخلية فهم أدرى بشعاب قضيتهم ، لكن كل ما نأمله ألا يسمح اللبنانيون بتحويل هذا التعبير السلمي عن المطالب المشروعة إلى سلوك دموي من خلال اندساس عناصر صاحبة مصلحة في تفجير الساحة اللبنانية ، أو حتى من خلال ردات فعل السلطات الحاكمة أو القوى الامنية التي قد ينتج عنها مزيد من التجمهر والمواجهة ، فحقيقة الأمر ان تمترس كل طرف في موقعه وتشبثه بمواقفه يؤدي إلى مزيد من التأزم ،
وما يمكن قوله هو ان يسارع الجانبان ـ المعارضة والحكومة ـ إلى البحث عن القواسم المشتركة بين كل الاطراف للسير نحو الهدف المشترك الذي هو المصلحة العليا للشعب اللبناني ، ومشهد حشود الأمس كان تعبيرا سلميا عن المطالب وقابله هدوء وانضباط من جانب السلطة الرسمية ، لكن اختبار الوطنية الحقيقية بين ثنايا السلطة والشعب اللبنانيين مازال قائما ويحدونا الأمل في ان ينجح اللبنانيون في اجتياز هذا الاختبار مهما طال التمسك بالمواقف على كلا الجانبين .
فكلنا حريص على لبنان وسيادته وأمنه الوطني ، وكلنا أمل في ان يظل ذلك البلد العزيز حصنا منيعا ضد كل اجراءات الدكتاتورية في اتخاذ القرار وضد كل اجراءات توظيف أزمات لبنان لخدمة اطراف أهمها اسرائيل التي تعتبر ان ما يحدث في لبنان هو مقدمة لحرب أهلية تنجز فيه دولة الاحتلال أغراضها دون تحريك لقواتها .
ان تمسك اللبنانيين بالشرعية والتزامهم بالقانون والتعقل في ردود الفعل كما بدا أمس يحفز مشاعر الطمأنينة على لبنان كمدرسة عربية لتطوير آليات الممارسة الديمقراطية والالتزام بالقانون مهما كان شكل الحراك السياسي في الشارع اللبناني . ومثلما كان للبنان زخمه المميز في مجال الفن والادب على مر تاريخه المعاصر ، كذلك فان من الطبيعي ان يكون الأمر كذلك في حراكه السياسي ، الذي نطالعه ونراقبه في نفس الوقت من أجل الوقوف على كيفية انتهاء هذا المسرح السياسي الكبير .
وإذا كان ما يجري على الساحة اللبنانية هو الثمن المطلوب دفعه للابقاء على الممارسة الديمقراطية في مسارها الطبيعي فلا شك انه ثمن ممكن دفعه ما دام بعيدا عن التجاوزات ومحاطا بهذا الالتزام رغم هذه الاعداد الهائلة من الحشود التي تدفقت إلى وسط لبنان لتقديم مطالبها في التعديلات السياسية ، نأمل في ان يكون الصدق والشفافية والوضوح في الطرح هو ديدن هذه المسيرة الديمقراطية في لبنان لتبقى مدرسة للآخرين في ضوابط حرية التعبير والممارسة السياسية .