ما شهدته ساحات بيروت وشوارعها أمس يعبّر أصدق التعبير عن حقيقة لبنان ووحدته الوطنية ورسالته الحضارية التي تؤكد أن التعايش هو العنوان العريض الذي ينضوي تحته كل اللبنانيين بأطيافهم ومشاربهم كافة.
وبعيداً عن الأرقام والأعداد، فإن ساحات رياض الصلح وبشارة الخوري والشهداء وغيرها غصت بمئات آلاف اللبنانيين الذين جاؤوا من الجنوب والشمال والبقاع والجبل ليشكلوا لوحة رائعة في التآخي والتعايش والتوحّد حول شعار وطني واحد، ومطلب حق واضحاً هو الدعوة إلى حكومة وحدة وطنية تجمع ولا تفرّق، تعمل من أجل لبنان واللبنانيين ومصالحهم الوطنية بعيداً عن التدخلات الخارجية التي باتت للأسف تمارس في وضح النهار، فهل بات هذا المطلب جريمة في نظر بعضهم؟!
ما تابعه العالم أمس كان صورة حضارية راقية للتعبير عن رأي هذا الحشد الجماهيري غير المسبوق في تاريخ لبنان، وعن رغبته في السير نحو مستقبل مشرق للبنان ووضع حدّ لمحاولات إلحاق لبنان بالمشروع الأميركي لشرق أوسط جديد، وتحصين لبنان ضد المخططات والمؤامرات التي لم تعد مجرد تخمينات وتحليلات، خاصة بعد أن أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، وخلال العدوان الإسرائيلي الأخير، بأن الشرق الأوسط الجديد يولد من قلب العدوان.
بالأمس كانت رسالة بيروت، ورسالة اللبنانيين في أغلبيتهم العظمى التي تكذب ادعاءات فريق 14 شباط بأن المعارضة هي الوهم، كانت رسالة بيروت للعالم، أن شعب لبنان بمختلف أطيافه السياسية وطوائفه يقف صفاً واحداً مع خيار الوطن، ومع المعارضة والمقاومة التي أثبتت أنها الأغلبية الحقيقية التي لم يعد فريق السلطة قادراً على تجاهلها أو نكرانها أو التنكر لها.
رسالة بيروت أن المعارضة لا تستقوي ببندقية وصاروخ وُجدا للدفاع عن الوطن من الغزاة وحماته من وراء البحار، بل إنها قوية بشارع عريض يمثل كل لبنان، ويعبر عن حقيقة لبنان ومطالب وتوجهات اللبنانيين.
كانت تلك رسالة كل لبنان إلى نفر بات يحتكر السلطة وينفّذ أوامر السفراء والمندوبين السامين وسياسات دول عظمى لا همّ لها إلاّ أن تجعل «إسرائيل» قوة عملاقة في المنطقة قادرة على هزيمة كل الدول العربية مجتمعة وأن تكون قائدة الشرق الأوسط الجديد سياسياً وعسكرياً وأمنياً واقتصادياً.
كانت تلك هي الرسالة.. فهل يردّ فريق السلطة عليها وعلى مطالبها.. أم إنه مصمم على قيادة لبنان إلى المجهول؟