أكثر بلد في المنطقة العربية تتعدد ولاءاته، وآباؤه الروحيين، لبنان، حيث بدأت تأخذ كرسي السيطرة فرنسا، والتي شكلت البلد وبناءه، ونظمه، إلا أن الفئات الاخرى أوجدت الحليف المضاد عربياً، وإسلامياً ليصل إلى الحلقات المفقودة بمن هو الوطني، والوسيط الفاعل لأدوار خارجية وعربية، ولذلك صار لبنان يحيّر كل من يتعاطى السياسة وفك شفراتها المعقدة..

فقد تحاربت عناصره منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، وتطل علينا الآن حوافز حرب جديدة بملء ساحات بيروت بعناصر حزب الله، والمتحالفين معه على شكل تظاهرات واعتصامات لازاحة حكومة السنيورة، وقوة الدفع تأتي بعد الهجوم الإسرائيلي الذي فجر المسكوت عنه لتنقل المعارك للداخل بين كل القوى..

مثل هذه التجارب نجحت في أوكرانيا بما سمي التظاهرة أو الثورة البرتقالية، وانتقلت إلى بعض دول اوروبا الشرقية التي تعاني بقايا سلطات الاتحاد السوفييتي، لكنها في لبنان لا تواجه حكومة الحزب الواحد أو الدكتاتورية المطلقة وانما حكومة منتخبة لابد من اسقاطها بقوة الشارع، والذي تتهم عناصرها التحالف الإيراني - السوري بالعمل على ازاحة السلطة بفعل اصرارها على تشكيل المحكمة الدولية والتي من أسبابها التي بدأت مع قتل السيد رفيق الحريري ككسر (العصا) بين الفرقاء..

من حق اللبنانيين التعبير بوسائلهم الخاصة والتي نتمنى أن لا تصل إلى الصدامات بين قوى الأمن وعناصر الاعتصام لنشهد حشد أطراف أخرى قد تؤدي إلى حرب أهلية تكمل عقد ما سبقها من سنوات جعلت الاستقرار بلبنان مسألة داخلية أكثر منها خارجية، لتعجز كل العصور عن خلق توافق وطني يصبح قاعدة عامة..

العجيب أن لكل تاريخ لبنان ولاءات قاصمة الظهر، فالفرنسيون والأمريكان، والقوى القومية التي تمثلت بعصر عبدالناصر، ثم بروز تنظيم الحزب القومي السوري، وأخيراً حزب الله وأمل اللذان يشكلان القوة المطلقة بتاريخ لبنان الحديث..

تداول السلطة نظمها الدستور، لكن تعطيل العمل بأي قانون من السهولة بحيث كل قوة وصلت إلى ذروتها في البلد الصغير تريد اغتنام الفرص بالهيمنة على باقي الفئات، وهذا ما سقط به المسيحيون، وكذلك الدروز، وقد ينجح به الشيعة، لكن من الوهم أن نعتقد أن لبنان يمكن أن يصبح خاضعاً لسلطة واحدة وتجارب التاريخ معروفة، ومع ذلك فلبنان المحيّر يبقى لغزاً على الآخرين، كما هو مشكلة لشعبه، ولكل ما تعانقوا كحلفاء، وافترقوا كخصوم حلت عليهم لعنات الحروب..