خلال يومك وأنت تدير حواراتك، ونقاشاتك اليومية مع أصدقائك وأبنائك، تحاول قدر استطاعتك أن تتحسس اتجاه الريح بمعرفتك وحدسك وحكمتك، وتتساءل: إلى أين تأخذنا المتغيرات الصغيرة والكبيرة المحيطة بنا والتي تعصف بكل شيء حولنا؟ تقلب محطات التلفزة وصفحات الجرائد، تقرأ آخر الأخبار وتسمع وتحلل، فماذا تقول بعد كل ذلك؟ هل تقول إننا ماضون نحو مفترق طرق؟ طرق صعبة نحتاج لخوضها إلى عدة وعتاد، وإلى حرص وأمل وقوة.. أم تقول لا حول ولا قوة إلا بالله؟
كل شيء انقلب حولنا، ما يحدث عندنا لم يكن ليتصوره جدي أو حتى أبي رحمهما الله، لكنه حدث، وما يحدث في الخليج كله لا يتم منفصلاً أو بمعزل عما يحدث في العراق وإيران وسوريا ولبنان، ولا ينفصل عما حدث ذات يوم من سنوات وعهود الاستعمار أو ما حدث في سبتمبر من عام 2001 في نيويورك، فهل نربط الحوادث والأحداث ونوظفها حتى لا نعيد مآسيها أم أن ذاكرتنا مثقوبة كجرار الماء القديمة؟
أتابع هبة الشارع المعارض في لبنان، وإن اقتنعت بأن الشارع ليس مرجعية الدول ودستورها، لكنها هبة ليست بسيطة وليست زوبعة في فنجان قهوة لبنانية ستطفح على جوانب أحياء بيروت شرقها وغربها، جبلها وجنوبها، أو أنها ستطال مقر رئاسة الوزراء هناك فقط، أتابعها وأرى فيها بوضوح صوت كوندوليزا رايس وهي تهدد أو تبشر ـ لا أدري ـ بولادة شرق أوسط جديد يخرج من آلام لبنان، ما سيحدث في لبنان ـ الشارع ـ، سيلقي بظلاله على الشرق العربي كله وليس على حكومة السنيورة أو ساكن قصر بعبدا أو حزب الله.
القضية في الشرق العربي منذ قرون تشبه معطف الصوف المنسوج بخيط واحد، وللأسف فإن طرف الخيط لا يكون بيد العقلاء دائماً، أو الحريصين على الأوطان والشعوب.
وماذا يحدث في العراق؟ قتل في قتل ولا شيء آخر، قتل على الهوية، قتل لمجرد القتل، قتل بحجة المقاومة، وفي النهاية فتنة بشعة نتنة، نبوءة تتكرر منذ سنوات، منذ ثورة الزنج وقبلها كربلاء، وبعدهما تدمير بغداد على يد هولاكو ومغول القرن الحادي والعشرين، وفي كل الأزمنة هناك صناع فتن مغرمون بنفخ النيران في المواقد ووضع المزيد من الوقود فيها، ولا أقصد إدارة بوش المحافظة فقط، ولكن بعض أبناء الرافدين وبعض دول الجوار وما بعد الجوار، وما بعد ما بعد الجوار.
ماذا يحدث في مصر؟.. يا خسارة.. وماذا يحدث في السودان؟ وفي كل الرقعة العربية التي قالوا لنا يوماً ونحن صغار إنها أهم مناطق العالم ثراء ومكانة، كيف تبدو اليوم؟ إنها كما وصفها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في كتابه «رؤيتي» بقوله «معظم هذا الوطن العربي عراقيل في عراقيل، ومعظم هذا الوطن العربي اختناقات في اختناقات» فيا ترى لماذا؟؟! وإلى متى؟!