التغيرات التي تجرى في أميركا اللاتينية، هي نتاج للعلاقات الجديدة التي تربط القارة الجنوبية بالولايات المتحدة الأميركية، تلك العلاقات التي انتقلت من التبعية المطلقة إلى التمرد مستغلة تحول المصالح الأميركية إلى حيث بلدان العالم العربي والإسلامي، وانتقال الهيمنة الأميركية إلى مواقع تلك المصالح الجديدة.
خلال القرن الماضي، وخاصة في النصف الثاني منه كانت دول أميركا اللاتينية مجرد جمهوريات موز تفننت واشنطن في إخضاعها لسطوتها ونفوذها، وذلك في ظل الصراع مع الاتحاد السوفييتي، خشية تحول أميركا اللاتينية إلى شوكة شيوعية تهدد مصالحها وأمنها القومي، لذا استغلت ضعف تلك الدول وأخضعتها وفق استراتيجية شيطانية اعتمدت على نظم حكم موالية اتسمت بالشمولية والعسكرية، وتحالف نخب مالية ذات ايديولوجية انتهازية تسيطر على ثروات البلاد وتستأثر بها وبكل خيراتها، مع إفقار متعمد لغالبية شعوب القارة، ومع تولي أجهزة أمن تدين لها بالولاء مع القسوة والشراسة في ضبط العامة والسيطرة عليهم، واستطاعت هذه الأجهزة اختراق الأحزاب والنقابات ومن ثم تهميش دورها، ومنعت ظهور أية قوى تشكل أي تهديد للمصالح الأميركية والنظم والنخب المتحالفة معها.
وعلى مدى تلك السنوات قاومت شعوب أميركا اللاتينية قدر استطاعتها ودفعت أثماناً باهظة من حياة أبنائها الذين قتل منهم الآلاف، كما اختفى آلاف غيرهم قسرياً، وعذب الملايين في أقبية السجون، إلى جانب مرارة الحرب الأهلية التي عانت منها تلك الشعوب، ولكنها الآن في معظمها تحررت بل وأجبرت أميركا على التأقلم مع قواعد جديدة تنظم العلاقات بين الطرفين، بما يضمن مصالح كل طرف على أسس من المساواة والمصالح المشتركة، خاصة مع انتفاء الخطر الشيوعي في ظل انفراد الولايات المتحدة بزعامة العالم.
ووفق المتغيرات الجديدة كان ظهور هوغو شافيز في فنزويلا، وسيلفا دي لولا في البرازيل، وميشيل باشيليه في تشيلي، وعاد أورتيغا إلى رئاسة نيكاراغوا ثم أخيراً نجاح رافاييل كوريا في الإكوادور، وهؤلاء تجمع بينهم كراهية الولايات المتحدة أو ربما عداءهم لها جراء جرائمها ضدهم وضد بلادهم، كما يجمع بينهم تمتعهم بشرعية شعبية جارفة لأنهم يتبنون برامج مناهضة للهيمنة الأميركية، لكن هذا العداء لم يمنعهم من تبني سياسات تحفظ لكل طرف مصالحه.
ومن حيث الظاهر قد يبدو أن الولايات المتحدة تخسر تماماً في أميركا اللاتينية جراء هذه التغييرات، وهذا صحيح نسبياً، لكنها تحقق أيضاً بعض الفوائد رغم هذه المتغيرات. على سبيل المثال فان البرامج والسياسات التي يدعو لها ويطبقها هؤلاء الساسة تكفل تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية التي تمنح الفقراء الأمل في العيش الكريم داخل أوطانهم بما يمنعهم من الهجرة إلى الولايات المتحدة، تلك الهجرة التي صارت تؤرق واشنطن إلى حد اتخاذ قرار ببناء جدار عازل يصد موجات المهاجرين من أميركا اللاتينية. يضاف إلى ذلك أن إعادة توزيع الثروات الوطنية يمنح الفقراء بعضاً من الثروة القومية بما يكفل تحولهم إلى مستهلكين للبضائع الأميركية .
وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة صارت حملاً وديعاً في حديقتها الخلفية، ولكنها بالطبع مجبرة على القبول بقواعد العلاقات الجديدة . فالولايات المتحدة انشغلت بمنطقتنا العربية والاسلامية ونقلت إليها ااستراتيجيتها اللاتينية من أجل السيطرة على الثروات البترولية ومن أجل ضرب الإسلام كقوة مقاومة للهيمنة الأميركية .
لقد طوعت أميركا معظم نظم الحكم العربية، خاصة تلك ذات الطابع الشمولي العسكري، ووظفتها كأداة لتنفيذ مخططاتها واستراتيجياتها، وجندت معها الكثير من نخب المال والفكر، ومكنتها من الاستئثار ـ على الطريقة اللاتينية ـ بالثروات عبر الفساد والنهب المنظم، وأفقرت بسياسات صندوق النقد والبنك الدوليين غالبية الشعوب، وشجعت على إطلاق أيادي الأجهزة الأمنية التي همشت الأحزاب والنقابات، وضربت كل القوى المناهضة للمصالح الأميركية والنظم المتحالفة معها. كما لم تتردد واشنطن في استخدام قوتها العسكرية لتحقيق استراتيجيتها، كما حدث في أفغانستان والعراق، وأطلقت يد إسرائيل فيما تعذر عليها أن تقوم به، كما حدث في لبنان، ويحدث في فلسطين.
وحتى الآن نجحت هذه الاستراتيجية الأميركية ذات الطابع اللاتيني في تحويل دول عربية محورية إلى جمهوريات موز.
ومثلما أثبتت التجربة اللاتينية أنه لا تحرر ولا تنمية إلا بالتخلص من الهيمنة الأميركية، وبالوصول معها إلى علاقات ذات مصالح متبادلة قائمة على الندية، فإنه لا تحرر عربي ولا تنمية عربية إلا بالتحرر من الهيمنة الأميركية وتبني استراتيجية مقاومة شاملة ضد الاستكبار الأميركي الصهيوني. وعدا ذلك سيتدنى العالم العربي إلى الأضعف والأفقر والأسوأ بين دول العالم وسنصبح نسخاً مشوهة من الدول اللاتينية إبان القرن الماضي سواء كنا في آسيا أو إفريقيا.