تبني الأمم والشعوب الناهضة مؤسساتها على أسس متينة لكي تضمن بالتالي ديمومة البناء وتواصله مع المتغيرات والتطورات مهما بلغ انعطافها. ولقد أضحت مؤسسات الإعلام في اي امة ناهضة الوعاء الأهم التي تجمع باكورة نهضة الأمم. فعندما تبنى مؤسسات الإعلام على أساس متين قوامه احترام الفكر وحركة المجتمع والعلم ومتطلبات التطور فإنها بذلك بلاشك تكسب احترام الناس الذين سيتطورون بدورهم لكي يتقبلوا طروحات مؤسسات الإعلام وإنتاجها.
ومن البديهي أنه لا يمكن أن تنجح مؤسسة إعلامية إذا لم تكن قادرة على التفاعل مع الداخل وتلبية متطلباته وتقبل مجمل الأفكار الواردة فيه وفي نفس الوقت فإن مؤسسات الإعلام إذا لم تكن بدرجة من الرقي النوعي والكمي واحترام للذات فإنها لن تكون قادرة على أداء دورها الفاعل في تنقية الأفكار واستخلاص الأفضل والارتقاء بالأدنى ليصل إلى الأعلى على خط شروع فكري ومنطقي معتدل ومتوازن يقبل المعارضة المستندة على أسس ويرفض الخطأ حتى ولو اجتمعت عليه العامة أو اختلفت.
فدور الإعلام الراقي ليس مسايرة أخطاء المجتمع بل تقويم تلك الأخطاء وإرجاع الأمور إلى نصابها ليصل الإعلام عند ذاك إلى مرحلة الإعلام الواعي. وتعتبر تجربة المؤسسة الإعلامية في دولة الإمارات تجسيدا حيا لفكرة الإعلام الواعي فعلى الرغم من حداثة التكوين إلا أن المؤسسة الإعلامية سواء المقروءة أو المسموعة أو المرئية استطاعت أن تصل إلى مستوى الإعلام المنسجم مع الذات والقادر على مواكبة التطور سواء في الحدث الداخلي أو العالمي.
تجربة المؤسسات الإعلامية في الإمارات تحتاج إلى تأمل دقيق وفهم عميق لأنها بالفعل تجربة فريدة لم تستطع ان تتحقق حتى في اعرق المؤسسات الإعلامية العربية ذات التاريخ العريق أو حتى تلك التي تمتلك الدعم المادي والتمويل الواسع.
ولابد ان نتساءل كيف استطاعت هذه المؤسسات الإعلامية ان تواجه تحدياتها والتي هي تحديات تعيق ليس تأسيس قنوات إعلام فحسب بل وحتى تطورها وارتقاءها. هذه التحديات المتمثلة في:
1 ـ حداثة التكوين.
2 ـ التنوع الاجتماعي والفكري الذي يحكم المجتمع الإماراتي.
3 ـ سرعة تطور الأحداث وتنامي القضايا الدولية والداخلية.
الحلول التي قدمتها مؤسسات الإعلام في الإمارات لهذه التحديات الثلاثة تعد سابقة مهمة يجب التوقف عندها وفهمها. فهي تقدم تجربة رائدة يمكن أن تستفيد منها الكثير من الدول العربية بل ودول المنطقة. هذه الحلول هي:
أولاً: الحقيقة: لا شك أن مؤسسات الإعلام في الإمارات تعد من احدث مؤسسات الإعلام في الخليج العربي والوطن العربي عامة ولكن على الرغم من حداثة التكوين إلا أنها استطاعت أن ترسي قاعدة متينة وراقية تنافس اعرق المؤسسات الإعلامية الموجودة ليس فقط في الشرق الأوسط بل وحتى تلك المؤسسات الكبرى في حداثة التكوين، ما يعد من اكبر التحديات التي تواجه أي مؤسسة إعلامية ناشئة وذلك لأن زمن قبول الأفكار المطروحة قد لا يتلاءم مع سرعة التحديات وتعدد مذاهب الناس ومشاربهم الفكرية.
وعليه فإن اغلب المؤسسات الإعلامية الحديثة التكوين تلجأ إلى أساليب متعددة احدها أسلوب الصدمة بمعنى أنه لكي تجلب الجمهور وتسوق وجودها تلجأ إلى أسلوب الصدمة بمعنى أنها تطرح أفكارا حديثة وغير مسبوقة وتتخذ مواقف متناقضة تماما مع الرأي العام العالمي أو مع الأغلبية العظمى منه وتتحمل بذلك ردود الأفعال سواء الرافضة والمقاطعة أو المؤيدة. هذا الأسلوب يعد خطرا لأن الأفكار الحديثة قد تؤدي إلى أزمات اجتماعية أو إقليمية وقد تبعد المؤسسة الإعلامية عن بيئتها فتكون عند ذاك في جزيرة منعزلة عن واقع المجتمع وما يحدث فيه فعلا.
بالمقابل هناك أسلوب المهادنة الذي يعني أن تحاول المؤسسة الإعلامية الابتعاد قدر الإمكان عن طرح القضايا الحاسمة، وهذا الأسلوب هو الآخر غير مجد لأنه يضعف من قوة مؤسسات الإعلام خاصة وان القضايا الحاسمة أضحت في صلب حياتنا اليومية ولامناص من التطرق إليها ومتابعتها، وبين هذين الأسلوبين قدمت مؤسسات الإعلام الإماراتية تجربتها الخاصة القائمة على أساس الحقيقة، بمعنى آخر طرح الحقيقة كما هي دون المزايدة عليها أو الإقلال من حجمها. فالحقيقة هي جل ما تحتاجه قضايانا العربية السياسية والاجتماعية والاقتصادية وكل مزايدة على الحقيقة سوف تضر بها كما سيضر عدم الإقرار بتلك الحقيقة.
فمن يتتبع الأخبار التي تتداولها قنوات الإعلام في دولة الإمارات سواء تلك التي تشرف عليها الدولة أو تلك الخاصة، سوف يلاحظ أنها تورد كل الحقائق كما هي وكما وقعت في لحظتها ومن كل الجهات والأطراف ويترك للمشاهد تقدير واقع هذه الحقيقة وكيف يتعامل معها انطلاقا من أن الحقيقة هي اقصر واصدق الطرق لإيصال المعلومة. وبالتالي استطاعت المؤسسات الإعلامية أن تكسب ثقة المتلقي واطمئنانه وتفاعله على الرغم من حداثة التكوين.
ثانيا: التنوع، التنوع هو العامل الآخر الذي قدمته مؤسسات الإعلام في الإمارات لتتجاوب مع التحدي الآخر الأكثر خطورة ألا وهو الواقع الاجتماعي أو بيئة هذه المؤسسة. بيئة قنوات الإعلام في دولة الإمارات لا تخاطب المواطن فحسب كما هو الحال في معظم الدول العربية بل انها تتوجه إلى خليط عرقي وديني متنوع يمثله الوافدون الذين هم بدورهم مثقلون بقضايا بلدانهم وفي الوقت نفسه تهمهم قضايا البلد الذي يساهمون في بنائه.
وبالتالي فإن مؤسسات الإعلام لابد لها ان تواكب كم القضايا الإنسانية بصورة عامة والعربية بصورة خاصة والمواكبة هي عملية خطرة تحتاج إلى تمعن وتركيز. وعليه فإن التنوع في قنوات الإعلام كان هو الحل الذي يحقق عنصر السبق في هذا التحدي.
والتنوع يعني التنوع في قنوات الإعلام وفي اللغة التي تستخدمها وفي المداخل التي تمدها بالمعلومات والأفكار. لكي يتحقق التوازن الذي يضمن للمؤسسة الإعلامية تواصلها مع الآخرين وعدم انقطاعهم عنها أو انقطاعها عن التواصل مع قضاياهم ومشاكلهم وهمومهم سواء كانوا مواطنين أو وافدين. فعندما تنجح مؤسسة الإعلام في تحدي التنوع الداخلي لابد لها من أن تجد سبيل النجاح في مواجهة التنوع الأكبر والأخطر على الصعيد الخارجي وبالتالي تقدم نفسها بصورة محترمة ولائقة ولها مكانتها بين المؤسسات الإعلامية العالمية.
وهو ما نجحت في تحقيقه معظم مؤسسات الإعلام في الإمارات فتجربة الصحافة الحرة المتنوعة المشارب والألوان حققت نجاحا في تبني القضايا الداخلية والخارجية واحتوائها بفعل هذا التنوع المدروس والناجح. وكذلك تنوع الفضائيات الإماراتية التي تعد من الفضائيات الناجحة والفاعلة القليلة في منطقة الشرق الأوسط.
ثالثاً: المبادرة.. من أهم التحديات التي تواجه مؤسسات الإعلام في العالم هو تحدي سرعة تطور الأحداث والتحول السريع للقضايا والمشكلات العالمية وبالنسبة للإمارات كمجتمع ناهض وسائر بكل ثقله نحو التقدم والنمو فإن القضايا الداخلية هي الأخرى بدورها سريعة التطور والتفاقم. وعليه فإن هذا التحدي تم التغلب عليه بأسلوب رائد مفاده المبادرة. بمعنى عدم تتبع القضايا والأحداث الدولية والداخلية والاكتفاء بل القيام بالمبادرة نحو استباق الحدث والتركيز عليه إلى ان استطاعت قنوات الإعلام في الإمارات في بعض الأحيان تقديم تغطية حصرية وشاملة للأحداث المهمة التي تعصف بأمتنا العربية والعالم بصورة تنافس فيها الوكالات والمؤسسات العالمية. المبادرة تمت بإسلوب إعلامي متميز، ميّز المؤسسات الإعلامية الإماراتية، فبدل أن تنتظر قنوات الإعلام الخبر عمدت إلى الذهاب إليه وتتبع تطوره عبر أسلوب المبادرة.
الحقيقة والتنوع والمبادرة ثلاثة عناصر ميزت الإعلام الإماراتي بميزة الريادة. حتى غدت مؤسسات الإعلام تشبه طريقة البناء والإعمار في الدولة والقائمة على التجربة لتفادي الأخطاء وسلوك الوسائل غير المسبوقة لتجاوز التحديات الصعبة. وبالتالي استطاعت أن تقدم نموذجا إعلاميا يستحق الفخر وكذلك يستحق الدراسة لكي يتم الاستفادة منه لحل مشاكل التخبط الإعلامي العربي الذي أضحى صدى اخرسا لا يسمع الخارج ولا يسد احتياجات ومشاكل الداخل. مقابل غزو إعلامي وفكري عالمي ومنافسة إعلامية ضارية لا تهدد مستقبل الإعلام العربي بل تهدد القضايا المصيرية.
وبالتالي فإن المؤسسات الإعلامية في الإمارات تعتبر من المؤسسات التي يمكن لعملها الجاد وإمكانياتها الناجحة من أن ترفد الإعلام العربي بما هو ملتزم وراق دون أن تزايد على قضاياه التي لا تحتمل المزايدة أو تغفل عن جراحه التي لا تحتمل الإغفال.
كاتبة عراقية