تلح علينا ضرورات تحقيق الوحدة الوطنية في دول الوطن العربي هذه الأيام بصورة أكثرة إلحاحاً من أي وقت مضى خصوصاً في العراق وفي لبنان وفي فلسطين وفي السودان، لأن البديل عن تحقيقها في هذه الظروف الصعبة إنما يعني الفشل في امتحان الإرادة الوطنية بين شركاء الوطن الواحد، والقومية بين شركاء الأمة الواحدة، والسماح بتمرير مخططات «الفوضى الهدامة» المعادية لكل ما هو وطني وعربي وإسلامي.

ولأن الصلة وثيقة بين ضرورة الوحدة الوطنية وتحقيق الوحدة القومية، والترابط أكيد بين الاتحاد العربي والاتحاد الإسلامي، حيث لا إمكانية لتحقيق وحدة عربية بدون صلابة الوحدة الوطنية علي أسس وفاقية، ولا إمكانية لتحقيق اتحاد إسلامي بدون اتحاد عربي علي أسس شعبية، ويشد هذا الرباط بين الدوائر الثلاث، الوطنية والقومية والدينية، تاريخ متواصل، وجغرافيا متصلة، وعقيدة واحدة المصدر.

نابعة من رسالات سماوية ثلاث بينما الدين واحد والرب واحد، فلقد أدرك الاستعمار القديم هذه الحقيقة التاريخية والجغرافية والعقائدية، فكان سعيه لضرب الوحدة الإسلامية في الحرب العالمية الأولى هي طريقه لتفكيك وإضعاف الأمة بفصل العالم العربي عن الإسلامي وتقسيمهما بمبدأ «فرق تسد» بإثارة النزعات القومية المتطرفة الطورانية أولاً والفارسية ثانياً والعربية والبقية تأتي، وذلك لفصل الدين عن القوميات وصولاً إلى دين بلا أمة وإلى قوميات بغير دين، ثم وضع أجزاء الأمة الواحدة المقسمة كلها تحت السيطرة العسكرية المباشرة بالانتداب الاستعماري.

لكن الاستعمار الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأميركية التي برزت في العالم الجديد كقوة كبيرة ومنتصرة بعد الحرب العالمية الثانية، والساعية لوراثة النفوذ الاستعماري لبريطانيا وفرنسا في المنطقة العربية والإسلامية، غير أساليبه القديمة من السيطرة العسكرية المباشرة إلى الهيمنة السياسية والسيطرة الاقتصادية عبر وكلاء محليين تابعين من بعض القوى السياسية التي ترتبط مصالحها بمصالحه رغم الاستقلال وغياب شمس الاستعمار القديم.

ومن هنا بدأ فصل جديد من فصول الصراع السياسي والاقتصادي والثقافي، بين قوى التحرر الوطني والقومي الساعية إلى استعادة الذات وإعادة الوحدة العربية والإسلامية التي تجزأت بدخول الاستعمار والتي يجب استعادتها بعد خروجه، وقوى الاستعمار الجديد وقوى التبعية المحلية التي ترى مصالحها المشتركة في تفريغ الاستقلال بربط العالم العربي بالعالم الغربي، وتكريس التجزئة بل وتجزيء المجزأ، وتغريب الهوية الثقافية والقومية، ومحاولة عزل الدين بشعارات زائفة على امتداد خريطة المنطقة.

وإذا كان الأسلوب القديم للاستعمار القديم هو تهشيم الأمة الواحدة إلى عدة دول، فإن الأسلوب الجديد للاستعمار الجديد زرع «الفوضى الهدامة» وإثارة الفتن العرقية والطائفية والمذهبية لتفكيك الدولة الواحدة إلى كانتونات وكيانات شظايا متناقضة لتسهيل سيطرته على الضعفاء ولتمكين إسرائيل القائمة على أساس ديني من القبول ومن أن تكون هي القوة الإقليمية الكبيرة والوحيدة في المنطقة.

وبهذه الخلفية يمكننا قراءة الصورة العربية والإسلامية الآن وما يجري فيها من خلافات سياسية قومية، ومن فتن طائفية وطنية، ومن مواجهات مذهبية دينية، توشك أن تدخل المنطقة في أتون حروب أهلية لا قدر الله، مثلما يشير العاهل الأردني من أننا مع العام القادم قد يكون بأيدينا ثلاثة ملفات لثلاث حروب أهلية عربية هي العراق وفلسطين ولبنان.

وعلى الوجه الآخر من الصورة يمكننا قراءة الشراكة الأميركية الإسرائيلية التي تنتهج أساليب الاستعمار القديم بالاعتماد على سياسة القوة العسكرية واحتلال الدول مثلما حدث في فلسطين والعراق وأفغانستان، وفي التدخل السياسي والعسكري السافر مثلما يحدث الآن في لبنان والصومال والسودان، والوقوف في المحافل الدولية مع العدوان الإسرائيلي وضد الحقوق العربية والإسلامية، ومع ذلك مواصلة الإدعاء بلا حياء عما يسمونه «الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان في (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا)».

والهدف هو منع هذه الأمة من الاستقلال والتحرر الحقيقي، ومن النهوض القومي والحضاري، ومن استعادة ذاتها ووحدتها القومية، ولتذويب هويتها الدينية وتغريب هويتها الثقافية اللتين تمثلان حائط الصد للتبعية وجدار المناعة من الفيروسات التغريبية، ودرع الممانعة في وجه محاولات فرض المشاريع المشبوهة على شعوب المنطقة.. لماذا ؟

الهدف هو منع بروز أي قوة إقليمية عربية أو إسلامية مستقلة ومتقدمة ومتحدة أو موحدة تختلف مصالحها الوطنية والقومية الأكيدة مع مصالح قوة الهيمنة الاستعمارية الجديدة، وهى التي وضعت استراتيجيتها لتكون هي القوة العالمية الوحيدة في القرن الحادي والعشرين انطلاقاً من فائض القوة لديها بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وانتهاجها لسياسة القوة بهذه القوة.

ولكي يكون القرن أميركياً، فلابد من السيطرة على مصادر القوة الاقتصادية ومنابع الطاقة النفطية، ومراكز التأثير السياسي والاستراتيجي، ولأن الشرق العربي الإسلامي هو أكبر منابع الثروة النفطية، وأهم مواقع التأثير الاستراتيجي فإنه يتعرض للهجمة الشرسة التي نشهدها الآن على جميع الجبهات الاقتصادية والسياسية والثقافية.

ولكي يكون القرن أميركياً، فلابد من منع القوى الصاعدة المنافسة أو المعرقلة لسيطرتها كأوروبا والصين وروسيا والعالم الإسلامي من كل عوامل القوة المؤثرة وأبرزها الطاقة، والسعي لعزلها عن أن يكون لها نفوذ في أي من مناطق النفوذ الأميركية، ولفرض الهيمنة على هذا العالم فلابد من أمركة العالم بنشر النموذج الأميركي السياسي والاقتصادي من خلال العولمة، وعولمة العالم من خلال ما تسميه دعم «قوى الديمقراطية والسوق»، ومفاتيحها في ذلك تفكيك العالم وتذويب هوياته الحضارية وإعادة هيكلته ثقافياً بدعم إشاعة مفاهيم الليبرالية والعلمنة والتغريب باسم التحديث، ووصف التدين بالتطرف والإساءة إلى الإسلام ورموزه وقيمه ومحاولة ربطه بالإرهاب، وربطه بالفاشية.. بينما الإرهاب صناعتهم على أرضنا والفاشية ولدت في أراضيهم.

إنهم يجهلون غالباً بينما دعاة الفتنة والتغريب فينا يتجاهلون أحياناً أن الإسلام ليس سبباً للانقسام بل هو دين التوحيد لكل العقائد، توحيد الله في السماء ووحدة الناس على الأرض، وهو الذي يجمع الجميع لأنه الدين الوحيد الذي يعترف بكل الأديان السماوية، ولا يعرف مفهوم الدولة الدينية كما يدعون، وحينما قامت دولته الإسلامية الأولى في المدينة المنورة كانت دولة مدنية، لأن الإسلام هو الذي أسس للدولة المدنية.

كما أنه ليس دعوة للتخلف وليس عودة إلى الوراء وكتابه الكريم ليس رواية للماضي بل مشروع منهجي بقيم العدل والتسامح والمشاركة يوجه للإنسانية أبلغ دعوة للتحرر وللتقدم وللمضي نحو المستقبل.

ويجتمع تحت مظلته المواطن المسيحي والمواطن اليهودي مع المواطن المسلم على عبادة الله الواحد، ويؤكد للجميع على اختلاف عقائدهم المساواة في الحقوق والواجبات الوطنية على قاعدة «لهم مالنا وعليهم ما علينا»، ويحترم حرية العقيدة على قاعدة «لكم دينكم ولي دين»، ويجمع كل القوميات على أساس عدم التفرقة بين المسلم العربي والمسلم الفارسي والمسلم التركي إلا بالتقوى.

وهكذا يمكن لشعوبنا الواعية اكتشاف من يقف معها ومن يقف مع أعدائها وتصحيح المعادلات المختلة في العقول المحتلة، وبتحديد اتجاه البوصلة في اتجاه مبادئها ومصالحها المتمثلة في الاستقلال الحقيقي والتحرر من الأشكال والمفاهيم الاستعمارية الجديدة وتوابعها التي ترتبط بها وتروج لمشاريعها ولأفكارها في المنطقة، وفي اتجاه سعيها لتثبيت وحدتها الوطنية، ولاستعادة وحدتها القومية لبناء قوتها الذاتية، وفي اتجاه تحقيق تنميتها الاقتصادية وعدالتها الاجتماعية، وفي اتجاه الولاء لثوابتها الدينية والاعتزاز بهويتها الحضارية.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com